في مشهدٍ يكرر أفظع الجرائم الدولية، ها هو العالم يقف مرة أخرى متفرجاً صامتاً أمام تحضيرات أمريكية صاروخية لإبادة جديدة، هذه الملاة على أعتاب أمريكا اللاتينية. فبعد أن شاهدنا الدماء تُسفك في غزة وسط صمت دولي مريب، تعود الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب لتكرر نفس السيناريو مع فنزويلا، مستخدمة نفس خطاب التبرير الواهي، ونفس استعراض القوة العسكرية، ونفس الازدراء الصارخ للقانون الدولي. إنها مافيا دولية بامتياز تفرض إرادتها على العالم، وتقرر مصير الدول التي لا تتماشى مع أجندتها، وكأننا أمام مشهد مكرر لبداية أبشع جريمة في التاريخ.
تصريحات مادورو: صرخة تحذير من “غزة جديدة”
أطلق الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تحذيراً شديد اللهجة من أن أي عمل عسكري أمريكي محتمل ضد بلاده سيتحول إلى ما وصفه بـ “الإبادة الجماعية” كَذلِك لما ارتكبته إسرائيل في غزة. وفي كلمة ألقاها بالعاصمة كاراكاس، وجه مادورو رسالة مباشرة إلى الشعب الأمريكي قال فيها: هل تريدون غزة جديدة في أمريكا الجنوبية؟ هل تريدون أفغانستان جديدة؟ فيتنام جديدة؟ هل تريدون تكرار ما حدث في ليبيا والعراق؟. وأكد مادورو أن “الإنسانية عانت بما فيه الكفاية من الإبادة في غزة”، مشيراً إلى أن ما يحدث هناك يُعتبر إبادة جماعية وفقاً لاعترافات معظم شعوب العالم. كما لفت إلى تحول في الرأي العام الأمريكي نفسه، حيث تظهر استطلاعات الرأي لأول مرة أن ما يجري في غزة ينظر إليه كإبادة، خاصة بين الشباب.
التحركات العسكرية الأمريكية: “عملية الرمح الجنوبي”
وفقاً لتقارير إخبارية دولية، فقد حشدت الولايات المتحدة ما يقرب من 15 ألف جنسي في منطقة البحر الكاريبي، إلى جانب أكثر من اثنتي عشرة سفينة حربية، بما في ذلك حاملة طائرات وُصفت بأنها “المنصة القتالية الأكثر فتكاً” للبحرية الأمريكية. ويُعتبر هذا الحشد أكبر وجود عسكري أمريكي في المنطقة منذ غزو بنما عام 1989. وأعلن وزير الحرب الأمريكي عن “عملية الرمح الجنوبي” التي قال إنها تهدف إلى “إزالة الإرهابيين المرتبطين بالمخدرات من نصف الكرة الغربي”. وقد نفذت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 20 ضربة ضد سفن يُزعم أنها تُتاجر بالمخدرات، أسفرت عن مقتل 80 شخصاً. وتدرس إدارة ترامب خططاً لاستهداف منشآت الكوكايين وطرق تهريب المخدرات داخل فنزويلا.
الرد الفنزويلي: استعداد للمواجهة والمقاومة
رداً على هذه التحركات، أطلقت فنزويلا تعبئة واسعة النطاق للعسكريين وقوات الميليشيات المكونة من مدنيين، حيث تُجري هذه الوحدات تدريبات في جميع أنحاء البلاد استعداداً لأي تهديد محتمل. ويبلغ عدد أفراد الجيش الفنزويلي التقليدي حوالي 123 ألف فرد، بينما زعم مادورو أن ميليشياته التطوعية تضم أكثر من 8 ملايين جندي احتياطي، على الرغم من تشكيك الخبراء في هذا العدد وجودة تدريب هذه القوات. كما بدأت فنزويلا بنشر أسلحة تشمل عتاداً روسي الصنع، وتخطط لعمليات مقاومة على غرار حرب العصابات في حال تعرضها لهجوم أمريكي. ووفقاً لوثائق تخطيطية، فإن الحكومة الفنزويلية تخطط لاعتماد إستراتيجيتين محتملتين هما “المقاومة المطولة” و”الفوضى” لمواجهة أي عدوان أمريكي.
تحليل أبوالياسين: مخاطر المواجهة وتداعياتها العالمية
وأكد نبيل أبوالياسين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه “فوضى عارمة وتحديات” في حالة سعيه للإطاحة بمادورو، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لا تملك الأصول العسكرية الكافية لشن عملية واسعة النطاق لإزاحة مادورو عن السلطة. وأضاف أبوالياسين أنه إذا أمر ترامب بشن ضربات داخل فنزويلا، فقد يواجه تحديات خطيرة في ظل انقسام المعارضة وجيش مستعد للتمرد، بالإضافة إلى رد فعل سياسي عنيف في الداخل الأمريكي تجاه رئيس وعد بتجنب الصراعات الخارجية المكلفة. ولفت إلى أن الخبراء يحذرون من أن الإطاحة بمادورو قد تؤدي إلى استيلاء الجيش على السلطة أو صعود ديكتاتور آخر، أو حتى انزلاق البلاد إلى حرب أهلية مدمرة، خاصة مع وجود قوى خارجية مثل الجماعات المتمردة الكولومبية والعصابات الإجرامية التي تعمل من فنزويلا.
منحنى مزدوج الصمت الدولي: ازدواجية المعايير وخيانة الإنسانية
وتساءل أبوالياسين باستنكار: “لماذا يصمت المجتمع الدولي، ولماذا يتجاهل الجميع الفوضى العالمية التي أحدثتها أمريكا وحليفتها إسرائيل، واليوم تستكملها إدارة ترامب مع فنزويلا؟”. وأشار إلى أن الشعوب تعاني من الصراعات السياسية التي أدت إلى نزاعات وغلاء فاحش وتوتر وعدم استقرار، مما أودى بخسائر اقتصادية في غالبية دول العالم. وفند أبوالياسين مزاعم الولايات المتحدة بأن تحركاتها العسكرية تهدف فقط إلى مكافحة المخدرات، مؤكداً أن هذا مجرد ذريعة لتحقيق أطماعها في السيطرة على مصادر فنزويلا الطبيعية وتغيير نظام حكمها. وأكد أن الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بتدمير الدول تحت مزاعم مضللة لمجرد رفض الإملاءات، ولنا في العراق وأفغانستان وفيتنام عبرة، ولكن للأسف تقوم أمريكا بأعمالها الإجرامية خارج إطار القانون الدولي بينما مجلس الأمن يكتفي بالفرجة.
نداء أخير لضمير الإنسانية
وختم نبيل أبوالياسين بيانه الصحفي بتحذير شديد اللهجة قائلاً: إن الدماء التي ستسيل في فنزويلا ستكون وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء، فكما وقف العالم متفرجاً على مأساة غزة، ها هو اليوم يقف صامتاً مرة أخرى أمام تحضيرات أمريكا لارتكاب جريمة مماثلة في فنزويلا. وأضاف: إن مشاهد الدمار والموت في غزة التي أثارت الاشمئزاز في نفوس كل أحرار العالم، على وشك أن تتكرر في أمريكا اللاتينية، والغطرسة الأمريكية الواهية لا تتوانى عن تهديد السلام العالمي مرة أخرى باستعراض قوة أعمى يتجاهل كل مواثيق القانون الدولي. وتوجه أبوالياسين بنداء أخير إلى ضمير العالم: كفى صمتاً! كفى تواطؤاً! إن مستقبل الإنسانية يتوقف على وقفتكم الشجاعة اليوم أمام آلة الحرب الأمريكية التي تهدد بتحويل عالمنا إلى ساحة للمجازر والإبادات الجماعية. فإما كرامة وسيادة للدول، وإما ذل وتبعية لسياسات القوة والغطرسة. التاريخ يشهد، والأجيال القادمة ستسأل: أين كنتم حين انكشفت الحقيقة؟.