“لسنا بحاجة إلى نصائح من الخارج” – بهذه العبارة الحازمة، رد وزير الخارجية الألماني على إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة التي تنتقد الحلفاء الأوروبيين وتتنبأ باختفاء حضارتهم. بينما يصف رئيس الوزراء البولندي تهديدات ترامب التجارية بأنها “اختبار جاد للوحدة الأوروبية”، تقف القارة العجوز عند مفترق طرق تاريخي: فبعد عقود من الاعتماد على الحماية الأمريكية، تجد نفسها فجأة وحيدة في مواجهة عاصفة جيوسياسية مزدوجة، حيث يلوح حليفها التقليدي بيد، وخصمها التاريخي بالأخرى. في غرفة الطوارئ هذه، حيث تتكسر ثوابت العلاقات الدولية، تُختبر إرادة أوروبا وصمود قيمها في اختبار وجودي لم تشهد مثله منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
الخطاب العنصري: كسر الحواجز و”تسميم الدماء”
شهدت الساحة السياسية الأمريكية في عهد ترامب تحولاً جذرياً في خطاب الهجرة والعرق. الحواجز التي كانت تمنع الخطاب العنصري أو المعادي للأجانب “اختفت تقريبًا”، وفقاً للتحليلات. ما كان يُعتبر في السابق مُحرِّماً وأقرب إلى خطاب متصيدي الإنترنت، أصبح الآن جزءاً لا يتجزأ من الخطاب السياسي الوطني دون خوف من عقوبة سياسية. وصل هذا الخطاب إلى ذروته في الحملة الانتخابية لعام 2024، عندما أعلن ترامب أن المهاجرين غير المصرح لهم “يسممون دماء بلدنا”، في إشارة واضحة لموضوعات الدعاية النازية. كما وصف المهاجرين الصوماليين بـ “القمامة” ودعاهم إلى “العودة إلى المكان الذي أتوا منه”، مهدداً حتى بتجريد المواطنين من الجنسية. هذه السياسات لا تعيد إلى الأذهان خطاباً عنصرياً فحسب، بل تمثل ارتداداً إلى قوانين الهجرة القائمة على الجنسية التي ألغتها أمريكا قبل ستة عقود.
سياسات الهجرة: عودة إلى التمييز القائم على الجنسية
لم يقتصر الأمر على الخطاب، بل ترجمت الإدارة هذه الرؤية إلى سياسات ملموسة. بعد حادثة إطلاق نار في نوفمبر تورط فيها لاجئ أفغاني، أوقفت إدارة ترامب “إلى أجل غير مسمى” معالجة طلبات الهجرة لجميع الأفغان – حتى المقيمين قانونياً لسنوات. وامتد هذا التعليق ليشمل مواطني 18 دولة أخرى، بما في ذلك أولئك الذين كانوا على وشك الحصول على البطاقات الخضراء أو الجنسية. وذهبت الإدارة إلى حد المطالبة بصلاحية تصنيف الفنزويين غير الموثقين الذين لا تتجاوز أعمارهم 14 عاماً على أنهم “أعداء أجانب” وترحيلهم دون مراجعة قضائية.
الهجوم على أوروبا: من الانتقادات إلى التهديدات
منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، اتبعت إدارته سياسة عدائية صريحة تجاه حلفائها الأوروبيين. تمثلت هذه السياسة في أربع جبهات رئيسية:
· الحرب التجارية: أعلن ترامب عن نيته فرض رسوم جمركية على الاتحاد الأوروبي. قُدِّر أن زيادة بنسبة 10-20% ستكلف أوروبا 1% من ناتجها المحلي الإجمالي.
· التدخل في الشؤون الداخلية: في مؤتمر ميونخ للأمن، شن نائب الرئيس جيه.دي. فانس هجوماً لاذعاً على السياسات الأوروبية حول الهجرة وحرية التعبير، واصفاً التهديد من المهاجرين داخل الدول الغربية بأنه “الأكثر إلحاحاً”.
· التنافس الرقمي: يقود المقربان من ترامب، إيلون ماسك ومارك زوكربيرغ، ما وصفته التقارير بـ “حرب رقمية” ضد المصالح الأوروبية.
· المطالبات الإقليمية: لا يزال ترامب متمسكاً بفكرة الاستحواذ على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، وهو ما دفع سكان الجزيرة إلى المطالبة بالاستقلال الكامل.
الاستراتيجية الأمريكية الجديدة: تحول جذري في الأولويات
في ديسمبر 2025، كشفت إدارة ترامب النقاب عن إستراتيجيتها الجديدة للأمن القومي، التي تمثل قطيعة مع العقود الماضية. تنص الوثيقة بوضوح على أن “أمن الحدود هو أهم عنصر من عناصر الأمن القومي” وتدعو إلى “وضع حد للهجرة الجماعية حول العالم”. والأكثر إثارة للقلق بالنسبة للأوروبيين هو تحذير الوثيقة من أن الحضارة الأوروبية قد تُمحى، مشيرة إلى أنه “إذا استمرت الاتجاهات الحالية فلن يعود من الممكن التعرف على القارة في غضون 20 عاما أو أقل”.
موقف أوروبا الرسمي: رفض قاطع
· ألمانيا: رد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بأن بلاده “لا تحتاج إلى نصائح من الخارج”، مؤكداً أن قضايا مثل حرية التعبير وتنظيم المجتمع “لا مكان لها” في استراتيجية أمنية أمريكية.
· الاتحاد الأوروبي: وصف وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس تصريحات نائب الرئيس الأمريكي بأنها “غير مقبولة”، معارضاً بشدة الانطباع الذي أعطاه فانس بأن أوروبا تقمع الأقليات.
الصحافة الأمريكية: بين تراث المراقبة الذاتية وواقع التحديات
لم يكن الرفض الأوروبي وحيداً في الميدان. ففي الداخل الأمريكي، يثير صعود الخطاب السياسي المتطرف تساؤلات جادة حول قدرة المؤسسة الإعلامية التقليدية على القيام بدورها الرقابي المستقل. لطالما مثّل “المحرر العام” أو “أمين المظالم” في غرف الأخيرة الأمريكية رمزاً لهذا الضمير المهني الداخلي، الذي يتلقى انتقادات الجمهور ويناقشها مع المحررين لاختبار الالتزام بالمعايير. ومع تراجع هذا الدور في صحف كبرى مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست لصالح آليات أخرى، وفي ظل مناخ سياسي يشهد هجوماً يومياً على الصحافة ووصفها بـ “عدو الشعب”، تبرز الحاجة إلى صحافة حازمة. وهذا ما يفسر ذلك النداء الصحفي الوارد في مواد البحث: “لقد رفضنا هذه الممارسة قبل 60 عاماً. يجب أن نفعل ذلك مرة أخرى اليوم”. النداء ليس مجرد استعادة للذاكرة، بل هو تحدٍّ للمؤسسة الإعلامية في لحظة مصيرية، لتعيد اكتشاف صوتها كحاجز ضد التعميمات العنصرية وكمُذكِّر بالمبادئ التي أُسست عليها.
صحوة أوروبا أمام مفترق المصير
وختامًا: إن اليوم، تكتشف أوروبا القاسية حقيقة مريرة: لقد راهنت على وعود زائفة، وظنت أن ابتسامتها القسرية وتنازلاتها المتتالية ستكبح جماح عاصفة لم تعد تأبه بشرعة القيم ولا بقدسية التحالفات. لقد تحول الحليف إلى منافس، والصديق إلى خصم يضع يداً في يد بوتين بينما يلوّح بالأخرى في وجه برلين وباريس. الرهان على “ترويض” ترامب قد خسر، والاعتماد على “تقلبات” سياساته أصبح رهاناً انتحارياً. والأرقام لا تكذب: 500 مليار يورو تحتاجها أوروبا للدفاع عن نفسها خلال العقد المقبل، ومليون مركبة تصدرها سنوياً إلى أمريكا معرضة لرسوم جمركية مدمرة. لكن هذه الأرقام ليست سوى أعراضاً لمرض أعمق: فقدان الإرادة الاستراتيجية. حين تتردد بلجيكا والبنك المركزي الأوروبي في استخدام الأصول الروسية المجمدة لإنقاذ أوكرانيا، وحين تفضل دول أوروبية التفاوض المباشر مع ترامب على التكتل الموحد، تكون القارة قد باعت وحدتها بأبخس الأثمان.
المعركة ليست اقتصادية أو سياسية فحسب؛ إنها معركة وجودية من أجل روح أوروبا. إما أن تتحول إلى فسيفساء من الدول الصغيرة المتصارعة، كل منها يتوسل رضا سيد جديد في واشنطن أو موسكو، وإما أن تستيقظ من سباتها وتستعيد مصيرها بيديها. القرار ليس بين “أمريكا أولا” أو “أوروبا وحدها”، بل بين التبعية والاستقلال، بين الذل والكرامة، بين الفناء والبقاء. لقد حان وقت الحسم، فالشمس التي تشرق اليوم على أوروبا قد لا تشرق غداً على حضارة آخذة في الانحسار.