ما جرى في انتخابات المقعد الفردي بدائرة مركز كفر شكر لا يمكن من وجهة نظري قراءته بوصفه مجرد فوز مرشح على آخر، ولا حتى كنتيجة حملة انتخابية ناجحة فحسب، بل هو تعبير صريح عن أزمة تمثيل سياسي عميقة تعاني منها الأحزاب، وعن لحظة انحياز نادرة للمكان قبل الاسم، كان بطلها الحقيقي مركز كفر شكر ذاته.
من بين 647,705 ناخبين مقيدين، لم يشارك في التصويت سوى 77,847 ناخبًا، أي ما يقارب 12% فقط، وهي نسبة كاشفة لانفصال واسع بين الشارع والأطر الحزبية، وبلغ عدد الأصوات الصحيحة 73,615 صوتًا، حسمت بفارق مريح.
حصل هاني شحاتة على 42,001 صوت، مقابل 31,614 صوتًا لمنافسه حازم عايش، بفارق 10,387 صوتا، وهو فارق لا يفسر بالحظ أو الصدفة، بل بقرار سياسي واع اتخذه الناخب.
المدهش والمؤسف في آن واحد أن كفر شكر دخلت هذا الاستحقاق وهي خارج الحسابات الحزبية الكبرى بالكامل، لم يكن لها مرشح على القائمة الوطنية، لا في مجلس النواب، ولا في مجلس الشيوخ، ولم تحظ حتى بمساندة حزبية حقيقية ومباشرة على المقاعد الفردية، مركز كامل، بثقله السكاني وتاريخه السياسي، ترك بلا صوت واضح في معادلة التمثيل، هنا يجب أن يفهم موقف المخرج خالد يوسف في سياقه الصحيح.
في تقديري، لم ينحز خالد يوسف إلى اسم بعينه بقدر ما انحاز إلى حق كفر شكر في أن يكون لها ممثل برلماني حقيقي، انحيازه لم يكن مشروطا بحزب، ولا بلافتة، ولا حتى بتاريخ سياسي، بل بقناعة بسيطة، لا يجوز أن يظل مركز كفر شكر بلا تمثيل، وبلا أولوية، وبلا صوت داخل البرلمان.
هذا الانحياز نابع من حب واضح للمكان، وإدراك بأن الفراغ الذي تتركه الأحزاب لا يظل فارغا طويلا، بل يملؤه من يشعر بالمسؤولية تجاه الأرض والناس، ولو كان اسم المرشح مختلفا، طالما أنه ابن كفر شكر وقادر على تمثيلها، لكان الموقف هو ذاته.
في هذا السياق، خاض هاني شحاتة الانتخابات كمرشح مستقل، رغم كونه قبل الترشح أمين التنظيم بحزب مستقبل وطن في كفر شكر، المفارقة هنا أن الرجل استفاد من خبرته الحزبية، لكنه تحرر من قيودها، بينما سقطت الأحزاب نفسها في أسر الشعارات دون فعل حقيقي على الأرض.
في المقابل، خاض حازم عايش المعركة باعتباره مرشح حزب حماة الوطن، رغم انضمامه قبيل الانتخابات إلى حزب الجبهة الوطنية، وهو ارتباك سياسي انعكس بوضوح على القواعد، وأضعف القدرة على الحشد، وأفقد الخطاب الانتخابي وضوحه.
وهنا أطرح السؤال بصراحة، ما قيمة الحزب إذا لم يكن قادرا على تأمين تمثيل واضح لمركز بحجم كفر شكر؟
دور خالد يوسف لم يكن دعاية ولا استعراضا سياسيا، بل إدارة لمعنى المعركة، تحويلها من تنافس أسماء إلى معركة تمثيل ووجود، بالتوازي مع إدارة واعية للأرقام، وتحريك الكتل الصامتة، وتقليل الهدر الانتخابي، وهو ما انعكس في نسبة أصوات باطلة لم تتجاوز 5.4% برأيي، انتخابات كفر شكر لم تسقط حزبا بعينه، لكنها أسقطت وهما راسخا، أن الأحزاب تحتكر التمثيل، وأن المكان يمكن تجاهله بلا ثمن.
ما حدث رسالة واضحة، عندما تغيب الأحزاب، يتقدم أبناء المكان، وعندما يهمّش المركز، يدافع عنه من يحبه، وهكذا، لم يكن فوز هاني شحاتة مجرد فوز مرشح، بل انتصار فكرة.. كفر شكر تستحق أن تكون ممثلة… لا مهمشة