إنه وفي قلب هوليوود، حيث تُصنع الأحلام وتخفت الأضواء، تُخاض معركة وجودية لا تُستخدم فيها الأسلحة التقليدية، بل تُوجَّه فيها الاتهامات كالسيوف، ويُستخدم الصمت كدرع، والصوت العالمي كبندقية. إنها معركة داخل عائلة واحدة تحولت إلى رمز للانقسام الأمريكي الأوسع: الأب، النجم المخضرم جون فويت، يحمل راية قومية متشددة ويصطف خلف سياسات ترامب، والابنة، أنجلينا جولي، ترفع شعار الإنسانية العابرة للحدود وتدافع عن ضحايا الحروب. هذا ليس مجرد خلاف بين جيلين؛ إنه صدام بين عالمين: عالم يناصر خطاباً عنصرياً ويدعم الاحتلال تحت شعار الوطنية الزائفة، وعالم ينتصر للقيم الإنسانية الكونية حتى لو كلفه ذلك قطيعة الدم. عندما يعلن الأب أن “ولائه الأول لبلده” ويهاجم ابنته علناً لدفاعها عن غزة، تظهر هوليوود بوجهها الحقيقي: مرآة لأمة ممزقة بين الانغلاق والانفتاح، بين الخوف من الآخر والانتصار له.
جذور الانقسام: من الخيانة العائلية إلى الخيانة الأيديولوجية
لم يولد هذا الصدام بين جون فويت وأنجلينا جولي بين ليلة وضحاها، بل هو نتاج عقود من الجروح العائلية العميقة التي تحولت إلى هوة أيديولوجية لا تُجسر. بدأت القصة عندما تخلى فويت عن عائلته، تاركاً أنجلينا وشقيقتها صغيرتين تحت رعاية والدتهما مارشلين برتراند، وهو جرح غائر لم يندمل أبداً. لقد حاولا مرة واحدة فقط بناء جسر فوق هذه الهوة، أثناء تصوير فيلم “لارا كروفت: تومب رايدر” عام 2001، لكن محاولة المصالحة تحطمت عندما خرج فويت للإعلام وصرح بأن ابنته تعاني من “مشاكل نفسية حادة”. كان رد جولي قاسياً وحاسماً: في عام 2002، تخلت قانونياً عن لقب والدها “فويت” لتحمل اسمها فقط، “أنجلينا جولي”، في إعلان واضح عن استقلالها التام. هذه القطيعة العاطفية لم تكن سوى الأساس الذي بُني عليه الانقسام الفكري اللاحق، حيث تحول الأب من ممثل ليبرالي في شبابه إلى أيقونة للمحافظة المتطرفة، بينما سلكت الابنة درب العمل الإنساني العالمي. وهو تحول مذهل لممثل كان يُعتبر في شبابه أيقونة للتمرد الليبرالي بعد أدواره في أفلام مثل “منتصف الليلة”.
الصدام العلني: “جهل” فويت مقابل “إنسانية” جولي في قضية غزة
كانت القضية الفلسطينية، وتحديداً العدوان على غزة، الشرارة التي حولت الخلاف العائلي الصامت إلى حرب كلامية علنية لا هوادة فيها. هنا، برز التناقض بشكل صارخ لا يمكن التوفيق فيه. من جهة، وقفت أنجلينا جولي بكل ثقلها كسفيرة سابقة للأمم المتحدة، لتنتقد ما يحدث ووصفت غزة بأنها “سجن مفتوح” يتحول إلى “مقبرة جماعية”، مطلقةً صرخة مدوية للدفاع عن المدنيين الأبرياء. وفي الجهة المقابلة، وقف جون فويت ليس فقط ليدعم السياسات الإسرائيلية بشكل مطلق، بل ليهاجم ابنته شخصياً. في تصريحات لاذعة، لم يتردد في وصف موقفها بأنه ناتج عن “الجهل” و “غسيل الدماغ”، واتهمها بأنها “ساذجة” ومتأثرة بأجندات معادية للسامية. لقد اعتبر دفاعها عن الأطفال والنساء تحت القصف “خيانة” لقيم مزعومة، بينما رأت هي أن هذا الدفاع هو جوهر الإنسانية التي يفتقدها فكره المنغلق.
الحرب الثقافية: هوليوود بين “مقصلة” الرقابة و”لوحة” الفن الحر
لم يبقَ صراع “عائلة فويت” حبيس الجدران العائلية أو صفحات الصحف، بل تسرب إلى قلب صناعة السينما نفسها، ليكون نموذجاً مصغراً لحرب ثقافية أشمل. بصفته “سفيراً غير رسمي” لترامب في هوليوود، قاد جون فويت مع آخرين مثل سيلفستر ستالون خطةً تهدف إلى “استعادة” الصناعة السينمائية. تقوم هذه الخطة المثيرة للجدل على ركيزتين: “العصا” المتمثلة في فرض رسوم جمركية تصل إلى 120% على الأفلام المصورة خارج الولايات المتحدة، و “الجزرة” المتمثلة في حوافز ضريبية للإنتاج المحلي. الهدف المعلن هو إعادة الوظائف، لكن الهدف الخفي هو فرض “اختبار ثقافي” يجعل من الولاء لرواية سياسية معياراً للحصول على الدعم. هذا التوجه الذي يذكر بحقبة المكارثية، أحدث رعباً في أوساط المبدعين. مخرجون بارزون مثل كريستوفر نولان وجيمس كاميرون رأوا فيه تدخلاً سافراً في حرية الفن وتحويلاً له إلى أداة للبروباغندا الحكومية، مما هدد بحدوث هجرة إبداعية جماعية خارج أمريكا.
تصريحات فويت الجدلية: “ولائي الأول لبلدي” في بلد لم يعد له
كشفت مقابلة جون فويت المطولة مع صحيفة “ذا تايمز” النقاب عن عمق الاغتراب والغضب الذي يعتمل في داخله، وعن الرؤية التي تدفع به إلى صدام مفتوح مع ابنته ومع صناعته. لم يكتفِ بهجومه على أنجلينا، بل وسع هجومه ليشمل رموزاً ليبرالية أخرى. هاجم الحزب الديمقراطي ووصفه بأنه “يدمر القيم الأمريكية”، وشن هجوماً شرساً على شبكة “سي بي إس” الإخبارية واتهمها بأنها “بوق للدعاية”. كما استهدف المخرج كوينتين تارانتينو، متذرعاً بأخلاقيات مهنية مفاجئة ليمرر هجومه السياسي. لكن الجملة التي لخصت حالة انفصاله عن الواقع كانت: “إن ولائي الأول والأخير هو لبلدي”. على هذه الجملة علقت الصحيفة بتعليقها اللاذع والمشهور: “لكن هذا لم يعد حتى بلده”. كان هذا الرد يؤكد أن أمريكا التي يحلم بها فويت – أمريكا بيضاء، متجانسة، ومنغلقة – قد ولت إلى غير رجعة، وأن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بالصراخ والشعارات، بل بفهم تنوع وطنك واحتضان إنسانيته المعقدة.
ردود الفعل: صمت جولي الناطق وانقسام هوليوود
أثارت تصريحات جون فويت عاصفة من ردود الفعل التي كشفت بدورها عن خطوط الانقسام في المجتمع الأمريكي. في صف أنجلينا جولي، اختارت الرد بـ “الصمت الناطق”. وهو صمت تكتيكي يعكس حكمة الناشط الحقوقي المخضرم الذي يدرك أن أفعاله أبلغ من ردوده.
ولم تنجر إلى معركة كلامية علنية مع والدها، مفضلةً أن يظل عملها الإنساني وجولاتها في مخيمات اللاجئين هو الرد الأبلغ. مصادر مقربة منها أشارت إلى شعورها بخيبة أمل عميقة، وإلى حرصها على حماية أطفالها الستة – الذين شكلوا عائلة عالمية من أصول متنوعة – من وطأة هذه الدراما العائلية. وفي المشهد الأوسع، انقسمت هوليوود: بين أغلبية ليبرالية رأت في فويت رمزاً للماضي المتشدد، وأقلية محافظة وجدت فيه صوتها الشجاع. كما كشف الموقف عن انقسام طبقي غريب داخل الصناعة نفسها، حيث أيد بعض العمال الفنيين خطة “الإنتاج المحلي” طمعاً في الوظائف، بينما عارضها المبدعون والمخرجون الكبار خوفاً على حرية الفن. لقد حول فويت نفسه، ربما دون قصد، إلى مقياس حقيقي للولاءات الأيديولوجية في زمن مضطرب.
وختامًا: عندما تتصدع عائلة، فإن الشقوق قد تصل إلى الجدران لكنها قد تبقى قابلة للإصلاح. لكن عندما تتصدع عائلة في قلب هوليوود، وتتحول شقوقها إلى بيان سياسي، فإن الدوي يصل إلى كل ركن في العالم. قصة جون فويت وأنجلينا جولي ليست دراما عائلية تافهة؛ إنها الرواية المصغرة لصراع القرن الحادي والعشرين: الوطنية الضيقة مقابل المواطنة العالمية، الانغلاق العرقي مقابل التنوع الإنساني، خطاب الكراهية الذي يلبس عباءة الوطنية مقابل صوت الرحمة الذي يرفض أن يحاصره وطن. لقد اختار فويت أن يكون جندياً في حرب ترامب الثقافية، حاملاً “الولاء” كسيف يقطع به كل ما يختلف معه، حتى لو كان لحم ابنته. واختارت جولي أن تكون جندية في جيش الإنسانية الأكبر، حاملةً التضامن كدرع تحمي به الضعفاء في غزة والعراق وأفغانستان. في النهاية، السؤال ليس من سينتصر في هذه المعركة العائلية؛ فتاريخ العائلات المنقسمة مليء بالخسائر للطرفين. السؤال الأكبر هو: أي من هذين النموذجين سينتصر في معركة روح أمريكا وضمير العالم؟ هل سيكون مصير الفن والإنسان أن يسجنا خلف جدران العنصرية والتعريفات الجمركية، أم أن إنسانية جولي الشجاعة ستظل تنزف ضميراً حياً يذكرنا أن الوطن الحقيقي هو حيث يكون الإنسان آمناً، حراً، وكريماً؟ لقد أجابت أنجلينا بالفعل، ليس بكلمات، بل بحياة قضيتها في ترجمة الإنسانية من شعار إلى فعل. ويبقى جون فويت وحده في خندقه، يصرخ في وطن لم يعد يستمع إليه.