حسين السمنودي
حين نزيح حجرًا في واقع كثير من المجتمعات، لا نبحث عن كنزٍ ضائع بقدر ما نصطدم بوجهٍ قبيح للفساد، كأنه صار جزءًا من المشهد اليومي، لا يدهش أحدًا ولا يوقظ ضميرًا. فسادٌ لا يقتصر على المال العام، بل يمتد ليصيب القيم، ويهدم الأخلاق، ويكسر هيبة العادات والأعراف، حتى يصبح الاعوجاج هو القاعدة، والاستقامة استثناءً يُنظر إليه بريبة.
الفساد في جوهره ليس فعلًا فرديًا عابرًا، بل منظومة متكاملة حين تُترك دون حساب. يبدأ بتبرير الخطأ الصغير، وينتهي بتطبيع الجريمة الكبيرة. يبدأ بابتسامة مجاملة في غير موضعها، وينتهي بتوقيعٍ يبيع حق أمة، أو قرارٍ يدفن مستقبل أجيال. ومع الوقت، تتآكل الحدود بين الصواب والخطأ، ويختلط الحق بالباطل، ويُكافأ الفاسد لأنه “شاطر”، ويُهمَّش الشريف لأنه “غير عملي”.
أخطر ما يفعله الفساد أنه يقتل المعنى. معنى العمل، ومعنى التضحية، ومعنى الانتماء. حين يرى الشاب أن الطريق إلى النجاح لا يمر عبر الجهد، بل عبر الواسطة، يفقد إيمانه بالقيمة. وحين ترى الأسرة أن العدل غائب، وأن القانون يُطوَّع للأقوى، تتراجع الثقة، ويُستبدل الضمير بالحيلة. وهنا يبدأ الانهيار الصامت: لا ضجيج فيه، لكنه عميق الأثر، طويل المدى.
الفساد يهدم العادات والأعراف لأن هذه المنظومة الأخلاقية لا تعيش إلا في بيئة عادلة. الكرم يتحول إلى رشوة مغلفة، والاحترام إلى نفاق اجتماعي، والنصيحة إلى خيانة، والصمت إلى حكمة زائفة. تُشوَّه الكلمات، وتُفرَّغ القيم من محتواها، حتى يصبح السؤال عن الأخلاق سذاجة، وعن المبادئ رفاهية لا مكان لها.
ولأن الفساد شبكة، فإنه يحمي نفسه بنفسه. يخلق خطابًا يبرره، وإعلامًا يلمّعه، وأعرافًا تتعايش معه. يشيع اليأس كي لا يُسأل، ويُرهق الصالحين حتى ينسحبوا، ويُغري المترددين حتى ينضموا. وهكذا تتسع الدائرة، لا لأن الفاسدين كُثر، بل لأن المقاومين قلّة، أو لأن صوتهم خافت وسط ضجيج المصالح.
والفساد حين يستقر، لا يكتفي بإفساد الحاضر، بل يخطط لتدمير المستقبل. أخطر تجلياته ما نراه في سيطرة الواسطة والمعرفة المشوهة، حيث تُغلق الأبواب في وجه أصحاب الكفاءة، وتُفتح على مصراعيها لغير المؤهلين. يعمل الناس في غير تخصصاتهم، لا لأنهم عاجزون، بل لأن العدالة غائبة. فتُهدر الطاقات، وتُدفن المواهب، ويُدار المجتمع بعقول لا تملك الرؤية ولا الخبرة.
هنا تتشكل مأساة الأجيال المتعاقبة. شابٌ يتعلم ويجتهد، ثم يرى ثمرة تعبه تُمنح لغيره لأنه “أقرب” أو “معروف”، فيتلقى درسًا قاسيًا مفاده أن الاستقامة لا مكان لها. يتسلل الإحباط إلى القلب، ويتحول الطموح إلى حمل ثقيل، وتُقتل الرغبة في الإبداع قبل أن ترى النور. ومع التكرار، يصبح اليأس ثقافة، والانسحاب سلوكًا عامًا.
أما العمل في غير التخصص، فهو جريمة صامتة لا تُعلن، لكنها تفتك بالمجتمع ببطء. قرارات خاطئة، ومؤسسات مترهلة، وخدمات بلا روح، لأن من يتصدر لا يفهم، ومن يفهم مُبعد. ومع الزمن، يدفع الجميع الثمن: اقتصاد يترنح، تعليم يتيه، صحة تتراجع، وثقة عامة تنهار. والأسوأ أن هذا الخلل يُورَّث، فينشأ جيل جديد على ذات الفوضى، ويُعاد إنتاج الفساد بأسماء ووجوه مختلفة.
الجانب النفسي هو الجرح الأعمق والأخطر. فساد الواسطة والمعرفة الزائفة يصنع إنسانًا مهزومًا من الداخل؛ قلقًا، غاضبًا، فاقدًا للإحساس بالقيمة. تتسع دوائر الاكتئاب، ويغدو العمل عقوبة لا رسالة، والحياة العامة ساحة صراع غير عادل. وحين تُكسر النفس، يسهل كسر الأخلاق، وتضعف المقاومة، ويصبح التنازل عادة لا استثناء.
ومع ذلك، يبقى العلاج ممكنًا، لكنه شاق وطويل. يبدأ بإعادة بناء الإنسان قبل المؤسسة، وبغرس ميزان داخلي يُعلي قيمة العدل والكفاءة. بالشفافية التي تفضح، والمحاسبة التي لا تعرف مجاملة، وحماية الشريف بدل تركه فريسة للإحباط. وبإحياء دور المجتمع في رفض التطبيع مع الفساد، وعدم تحويله إلى أمر عادي.
إن كسر دائرة الفساد هو في حقيقته إنقاذ للمستقبل، واسترداد لحق الأجيال في حلمٍ عادل، ومكانٍ يستحقونه، وفرصة حقيقية للإبداع. فلا نهضة بلا عدالة، ولا إبداع بلا أمان نفسي، ولا وطن قوي بأبناء محبطين. ستظل الحقيقة ثابتة: تحت كل حجر فساد، نعم، لكن فوق كل حجر يمكن أن تُبنى قيمة، إن وُجد ضمير حي، وإرادة صادقة، وإيمان بأن الأوطان لا تُبنى بالواسطة، بل بالكفاءة، ولا تحيا بالشعارات، بل بالأخلاق.