متابعةً للتحليل الاستراتيجي الذي طرحناه حول “خندق الثالوث العربي” ونجاحه في إرغام واشنطن على التراجع، تُكمل اليوم حلقات فرض الوقائع.
في الوقت الذي كانت فيه طبول “الحرب الإقليمية” تُدق بعنف، والمدمرات الأمريكية تتدفق نحو خليج العقبة محملة بترسانة “توماهوك” لفرض واقع الترهيب، تجلت حقيقة استراتيجية صاغها الكاتب نبيل أبوالياسين: “السيادة فعلُ إيمانٍ يُنتزعُ بالقوة والحنكة”. فبعد أن كشف الثالوث العربي “القاهرة، الرياض، الدوحة” أوراق اللعبة مبكراً، وفرضوا “معادلة الرفض” التي ألجمت طموح “نتنياهو”، ها نحن نشهد تراجع “ترامب” نحو “مفاوضات الضرورة”. واليوم، تكتمل أركان القوة بانضمام عمان لهذا المحور، ليعلن الرباعي العربي بوضوح: جغرافيتنا ليست مسرحاً للحروب، وسماؤنا محرمة على صفقات الدم.
بوصلة عمان: هندسة السيادة فوق جغرافيا الصراع
ويرى المحلل الجيوسياسي البارز، نبيل أبوالياسين، أن الموقف الرسمي الذي أعلنه وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، يتجاوز كونه رداً دبلوماسياً ليصبح “وثيقة استقلالٍ إقليمي”. وأكد أبوالياسين أن جزم الأردن بأنه “لن يكون ساحة لتصفيات الحسابات أو منطلقاً للهجوم على إيران” هو انتصار لمفهوم الدولة السيادية في وجه الفوضى. واعتبر أن هذا الصوت الملكي الحاسم وضع حداً فاصلاً للمحاولات الغربية التي سعت لتوظيف الأجواء العربية في صراعات لا تخدم إلا مصالح القوى الكبرى، مرسياً بذلك قاعدة ذهبية: “أمن المواطن يبدأ من حماية الأجواء من ضجيج المغامرات”.
ثنائية ترامب ونتنياهو: المقامرة بالمنطقة هرباً من “أشباح الفضائح”
ولفت أبوالياسين النظر إلى أن ما يتم الترويج له كدفاعٍ عن الأمن العالمي، ليس سوى “ستارٍ دخاني” لمغامرات شخصية بائسة. وأوضح أن اندفاع ترامب العسكري يهدف بالدرجة الأولى لخدمة أجندة نتنياهو الضيقة وتشتيت الانتباه عن الأزمات الداخلية والملفات القضائية التي تلاحقهما. وتساءل أبوالياسين بجرأة: هل يُعقل أن تُساق شعوب المنطقة نحو المحرقة لمجرد التغطية على فضائح أخلاقية مدوية مثل “ملف إبستين”؟. مؤكداً أن استخدام الآلة العسكرية كأداة ضغط سياسي لتجاوز الأزمات الشخصية هو الخطر الحقيقي الذي يهدد استقرار العالم، وليس مجرد مناورة عابرة.
توسع خندق السيادة: انتصار الدبلوماسية الخشنة على لغة التهديد
وشدد الحقوقي المخضرم على أن صلابة موقف “مصر والسعودية وقطر”، والتي كانت محور تحليلنا في “بيان الثالوث”، مثلت حائط الصد الذي أرغم واشنطن على تغيير استراتيجيتها. وأشار إلى أن رفض هذه العواصم تحويل سمائها إلى ممر للعدوان، لم يكسر حلم نتنياهو فحسب، بل دفع ترامب قسراً نحو “طاولة أنقرة” الجمعة المقبلة. واعتبر أبوالياسين أن انضمام الأردن لهذا المحور اليوم يعيد تعريف القوة العربية الموحدة، ويثبت أن “وحدة الموقف السيادي” هي الدرع الحقيقي والوحيد القادر على لجم غطرسة القوة العظمى وتحويل الصراع إلى مسار سياسي.
من غزة إلى الرباعي: القاهرة تقود.. والمزايدون يتوارون
ولم يفتْ أبوالياسين أن يستحضر، بمرارة الواعظ بأمته، ذاكرة “محاولة إبادة غزة”، مُشيراً إلى ذلك التحامل الاستثنائي الذي وجهته بعض الأصوات العربية نحو مصر، وكأن القاهرة وحدها هي الحارس المُكلَّف بمصير المنطقة. وأكد أن التاريخ سيحفظ أن “جمهورية مصر العربية” – زعيمة الأمة وحارسة أمنها – قد أدارت بأقصى ما يمكن وساطةً مضنية، بمشاركة إخوتها في الدوحة، لوقف الدمار، وسط ما وصفه بـ”صمتٍ عربيٍ كان أقسى من القصف ذاته”. واليوم، يوجه أبوالياسين سؤالاً مصيرياً لتلك الحناجر التي ملأت الفضاء سابقاً باللوم: أين ضجيجكم الآن، والرباعي العربي “القاهرة، الرياض، الدوحة، عمان” يتحملون وحدهم عبء مواجهة مغامرة “ترامبية” بمخطط صهيوني يُهدد بإحراق المنطقة؟ ولماذا لا نسمع ذات النبرة الاستنكارية تُوجه اليوم نحو حكوماتكم التي ما تزال ترضخ لـ”إدمان الفرجة” على معركة مصيركم وسيادتكم؟
نداء الصحوة العربية: ميثاق الشرف في مواجهة صمت المتفرجين
وفي رسالةٍ حادة، وجه أبوالياسين سؤاله للعواصم العربية التي لا تزال تراقب من بعيد: إلى متى ترهنون أمن شعوبكم ومستقبل أوطانكم لمزايدات القوى الغربية في غرف المفاوضات؟. وأكد أن أمن الإقليم هو كلٌّ لا يتجزأ، وأن الالتحاق بـ “خندق الرباعي السيادي” هو الخيار الوحيد لتجنب التبعية الاستراتيجية. وحذر أبوالياسين من أن استمرار “سياسة الفرجة” بينما تُعاد صياغة المنطقة هو تنازل طوعي عن الدور والسيادة، داعياً كافة القيادات للارتقاء لمستوى اللحظة التاريخية وتبني لغة الحزم التي أثبتت أنها اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم المعاصر.
وفي خاتمة السيادة الذاتية للكلمة: نشاهد الآن صناعة التاريخ بإرادة الرباعي العربي
واختتم نبيل أبوالياسين بيانه الصحفي بالتأكيد على أن الرباعي “القاهرة، الرياض، الدوحة، عمان” قد رسموا اليوم ملامح “الشرق العربي الجديد” القائم على الكرامة لا التبعية. لقد أثبتت هذه الدول أن السيادة تفرضها المواقف الصلبة لا التهديدات الجوفاء، وأن قوة الأمة تكمن في وعي قيادتها وشجاعة قرارها. واليوم، نحن أمام اختبار تاريخي للإرادة: فإما أن ننتزع حقنا في تقرير مصيرنا، وإما أن نبقى رهينة لمنح القوى العظمى. رسالتي للعواصم كافة: لقد انطلقت قاطرة السيادة بقيادة الرباعي، فمن أراد حماية شعبه فليلحق بهذا الركب، ومن تخلف فلن يجد له مكاناً في خارطة الكرامة القادمة.