في الوقت الذي تقتات فيه الفضائيات على “إعادة تدوير” الأخبار المعلبة، التي لا تقدم جديداً مبتكراً ولا تفكك شيفرات الواقع
، وينغمس المضللون في تزييف الوقائع، يقف الإعلام العربي في موقف المتفرج، وقد خذل قادته في أحلك الظروف، مكتفياً بـ “زغاريد التطبيل” الجوفاء التي لا تنئ عن الواقع المرير، ولا تسعف في فهم العاصفة العاتية التي تمر بها المنطقة. في وقت تحتاج فيه القيادة العربية إلى ظهير شعبي وإعلامي يساندها في مواجهة أبشع تصفية إقليمية في التاريخ، نبحث عن صناع الإطار والمبتكرين فلا نجد سوى صدى مكرر لأخبار بالية. هنا نقتحم نحن الغرف المغلقة، كآلة إعلامية مستقلة تحارب في كافة الجبهات بمفردها، لنفكك شفرة اللحظة ونستشرق القادم قبل وقوعه. نحن لا ننقل الخبر، بل نؤطره لنكسر جمود الصمت، ونرفع الحرج عن حكومات تدرك الحقيقة وتكبلها الحسابات الدبلوماسية المعقدة. هذا هو الفارق بين “الناقل” وبين “المفكك” الذي يضع النقاط على الحروف السيادية، وها هي المتغيرات التي استشرفنا حقيقتها بالأمس، تتكشف اليوم لتؤكد أن زمن التغييب قد ولى.
وها هي المتغيرات التي استشرفنا حقيقتها بالأمس، تتكشف اليوم لتؤكد أن زمن التغييب قد ولى. ففي مشهد غير مسبوق، يهتز عرش “طبقة إبستين” من الداخل، باستقالة مدير مكافحة الإرهاب الأمريكي جو كينت، التي تمنح “الثالوث العربي” وأهل الخليج الغطاء الشرعي الأقوى لإنهاء حقبة “الحماية المستأجرة” والإسراع في “تصفير القواعد”.
زلزال في واشنطن.. استقالة مدير مكافحة الإرهاب تعمق الشرخ الداخلي
يكشف نبيل أبوالياسين أن استقالة جو كينت، مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، تمثل زلزالاً سياسياً بكل معنى الكلمة داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب . ففي خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة، أعلن كينت استقالته احتجاجاً على الحرب مع إيران، كاتباً في رسالته: “لا يمكنني بضمير مرتاح أن أؤيد الحرب الدائرة في إيران، فطهران لا تشكل أي تهديد مباشر لبلادنا” . ويشير أبوالياسين إلى أن أهمية هذه الاستقالة تكمن في مصدرها؛ فكينت ليس سياسياً معارضاً، بل عينه ترامب بنفسه في فبراير 2025، وهو يتمتع بسجل عسكري واستخباراتي يحصنه من أي اتهام بعدم الوطنية، حيث شارك في 11 مهمة قتالية وكان ضابطاً في وكالة المخابرات المركزية . هذه الاستقالة إذن، هي إدانة من “داخل البيت”، ونسف لكل المبررات التي سوقتها “طبقة المستنقع الإسود” لشن هذه المغامرة العسكرية.
كينت يفضح اللعبة: إسرائيل هي من دفعت للحرب
ويلفت نبيل أبوالياسين إلى أبرز ما ورد في رسالة استقالة كينت، حيث كشف بالاسم الجهة الحقيقية التي تقف خلف الحرب. ففي سابقة نادرة لمسؤول أمريكي بهذا المستوى، قال كينت: “من الواضح أننا بدأنا هذه الحرب تحت ضغط إسرائيلي واللوبي النافذ لها” . ويضيف أبوالياسين أن كينت ذهب إلى أبعد من ذلك، مشبهاً ما يحدث اليوم بما حدث في حرب العراق عام 2003، حيث كتب: “لقد كانت هذه كذبة، وهي الحيلة نفسها التي استخدمها الإسرائيليون لجرنا إلى حرب العراق الكارثية التي كلفت أمتنا أرواح آلاف من أفضل رجالنا ونسائنا. لا يمكننا تكرار هذا الخطأ” . ويؤكد أبوالياسين أن هذا الاعتراف الصادم من مسؤول استخباراتي كبير يقدم للعالم دليلاً قاطعاً على أن “طبقة إبستين” والمحافظين الجدد كانوا يديرون اللعبة لصالح أجندة خارجية، ويؤكد صحة موقف “الثالوث العربي” بعدم الانجرار إلى الحرب.
نسف مبررات الحرب.. تأكيد استشراق “المسيرات المجهولة”
ويحلل نبيل أبوالياسين أن تصريح جو كينت بأن إيران “لا تشكل تهديداً وشيكاً” لأمريكا، يسحب البساط من تحت أقدام ترامب ونتنياهو اللذين حاولا تصوير الحرب كضرورة دفاعية. هذا الاعتراف يعزز بقوة ما استشرقناه حول “المسيرات مجهولة المصدر” التي تضرب الخليج. فالمسؤول الأول عن مكافحة الإرهاب في أمريكا يؤكد أن التهديد الإيراني كان مصطنعاً، مما يعني أن الهجمات التي تُلصق بطهران هي إما “مستنسخة” أو “مفبركة”، وليست عملاً عدائياً إيرانياً يستوجب هذه الحرب المدمرة. ويؤكد أبوالياسين أن كينت، بصفته المسؤول عن تحليل التهديدات الإرهابية، يدرك أن اللعبة كانت مكشوفة، ولذلك رفض أن يكون شريكاً في هذه الجريمة التاريخية .
غطاء شرعي للخليج.. “تصفير القواعد” لم يعد خياراً بل واجباً
ويشيد نبيل أبوالياسين بانعكاسات هذه الاستقالة على موقف دول الخليج العربي، وخاصة “الثالوث العربي” (مصر، السعودية، قطر). فإذا كان مدير مكافحة الإرهاب الأمريكي نفسه، الذي تخدم أجهزته تحت القيادة الوسطى في قطر والبحرين والكويت ، يرفض الحرب ويعترف بأنها جاءت بضغوط إسرائيلية، فكيف يُلام العرب على رفضهم الانجرار إلى هذه الحرب وتمسكهم بقرار “تصفير القواعد”؟ ويؤكد أبوالياسين أن هذه الاستقالة تمنح دول الخليج غطاءً قانونياً ودولياً وأخلاقياً غير مسبوق للإسراع في إنهاء الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها، والذي أثبتت الأيام أنه لم يعد “درعاً واقياً” بل أصبح “مغناطيس جذب للصراعات” و”رهينة جغرافية” تهدد السلم الأهلي في المنطقة .
أوروبا تنبذ ترامب.. والانقسام الأطلسي يتعمق
ويشير نبيل أبوالياسين إلى أن الشرخ لم يقتصر على الداخل الأمريكي، بل امتد ليطال العلاقة مع أوروبا، حيث يظهر الرئيس ترامب اليوم في موقف المستجدي بعد أن كان قبل أشهر يهدد الحلفاء. ففي تطور لافت، رفضت ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا بشكل قاطع المشاركة في تأمين مضيق هرمز، مؤكدة أن الحرب “ليست حرب الناتو” وأنها لن ترسل سفنها إلى منطقة خطرة . ويحلل أبوالياسين أن هذا الموقف الأوروبي الموحد يمثل “شرخاً استراتيجياً” في بنية التحالف الغربي، ويعكس بداية “انفكاك المصلحة” بين أوروبا وواشنطن. إنه إعلان بأن الحلفاء لم يعودوا يرون في مغامرة “طبقة إبستين” قضية أمن جماعي، بل يدركون أنها “حرب أمريكية خاصة” تهدف لاستنزافهم.
ترامب يستجدي الصين.. من بلطجة القوة إلى هشاشة الاستجداء
ويكشف نبيل أبوالياسين عن مشهد آخر يثبت انهيار الهيمنة الأمريكية، حيث اضطر الرئيس ترامب إلى استجداء الصين لمساعدته في تأمين مضيق هرمز، مهدداً بتأجيل زيارته المرتقبة إلى بكين إذا لم تقدم المساعدة . ويرى أبوالياسين أن هذا الطلب غير المسبوق يمثل إقراراً رسمياً من واشنطن بعجزها عن حماية ممراتها الملاحية، وانتقالاً دراماتيكياً من منطق “الإملاءات” إلى منطق “الاستجداء”. فكيف لمن يطلب من الصين، الحليفة الاستراتيجية لإيران، أن تخاطر بأصولها العسكرية في حرب أشعلتها واشنطن ضد طهران؟ هذا التخبط يؤكد أن “شرطي العالم” فقد شارته، وأن واشنطن التي كانت تهدد بالعقوبات باتت اليوم تتوسل لإصلاح ما أفسدته حماقتها.
تحذير من المخطط القادم.. “طبقة إبستين” قد تلجأ للإرهاب
ويوجه نبيل أبوالياسين تحذيراً شديد اللهجة من سيناريوهات قد تلجأ إليها “طبقة المستنقع الأسود” بعد إحباطها من فشل مخططاتها. فبعد أن فشلت في جر الخليج إلى الحرب، وفشلت في لعبة “المسيرات المجهولة” التي كشفناها، وقد تتجه هذه الطبقة المنحلة، التي تتعطش للدماء، إلى السيناريو الأخطر: وهو شن عمليات إرهابية وتخريبية في المنطقة، بهدف إحداث فتنة وتدمير العلاقات الإيرانية – الخليجية، أو خلق ذرائع جديدة للتدخل. ويؤكد أبوالياسين أن هذا التحذير يأتي في سياق الإحباط الكبير الذي تعيشه “طبقة إبستين” بعد نبذها من أوروبا ورفض الجميع مساعدتها في مغامرتها الانتحارية، وهي الطبقة التي لا تأبه لأرواح البشر وتتعامل مع الدماء كوقود لصراعاتها.
«الحصار الأطلسي» يتسع.. بولندا تنضم لصفوف الرافضين وتؤكد: لن نرسل قواتنا لإيران
ويشير نبيل أبوالياسين إلى التطور العاجل والمهم، حيث أعلن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك رفض بلاده القاطع لإرسال أي قوات إلى إيران، مؤكداً أن الصراع “لا يؤثر بشكل مباشر على أمننا القومي”، وأن وارسو لديها “مهام أخرى داخل الناتو” تتركز في تأمين بحر البلطيق ومواجهة التهديدات على الحدود الأوكرانية . ويحلل أبوالياسين أن هذا الموقف البولندي، الذي يصدر عن دولة تعتبر من أكثر حلفاء واشنطن التزاماً بالتحالف الأطلسي، يمثل “الصاعقة الأخيرة” في جدار “التماسك الغربي” المزعوم. فبعد أن نبذت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وكندا مغامرة ترامب ، ها هي بولندا تنضم إلى قائمة الرافضين، لتؤكد أن “طبقة إبستين” باتت تواجه عزلة دولية غير مسبوقة، وأن “الحماية المستأجرة” التي راهنوا عليها قد تحولت إلى “وصمة عار” يتنصل منها حتى أقرب الحلفاء. ويؤكد أبوالياسين أن هذا التطور يمنح “الثالوث العربي” غطاءً دولياً إضافياً لتعزيز خيار “تصفير القواعد”، فإذا كان حلفاء أمريكا في قلب أوروبا يرفضون المشاركة في مغامرتها، فما الذي يبرر بقاء قواعدها في قلب الخليج؟.
الخلاصة: إنشطار واشنطن يسرع “فطام السيادة”
ويختم نبيل أبوالياسين بيانه برسالة قوية إلى الأمة العربية: ها هي “طبقة إبستين” تنشطر من الداخل، باستقالة مدير مكافحة الإرهاب الذي يكذب رواية الحرب وينسبها للضغوط الإسرائيلية. ها هي أوروبا تنبذ المغامرة الأمريكية، وها هو ترامب يستجدي الصين. في هذا المشهد المنهار، يبرز “الثالوث العربي” بصمته الحكيم وقراراته السيادية، ليؤكد أن “الحماية المستأجرة” انتهت إلى غير رجعة.
ويشيد أبوالياسين بالغطاء الشرعي الذي تمنحه استقالة جو كينت لدول الخليج لتعجيل “تصفير القواعد”. فإذا كان المسؤول الأمريكي الأول عن مكافحة الإرهاب يعترف بأن الحرب لا مبرر لها وأنها جاءت بإملاءات خارجية، فما الذي يبرر بقاء قواعد عسكرية تحول أراضينا إلى منصات استهداف وتجلب الدمار لشعوبنا؟ .
ويطالب أبوالياسين باغتنام هذه اللحظة التاريخية، والبدء فوراً في إنهاء الوجود الأجنبي، وبناء “القوة العربية المشتركة” و”ناتو الخليج” الذي يصون السيادة ويحمي المقدرات. لقد سقطت هيمنة “طبقة إبستين”، وتحطمت أوهامها على صخرة الوعي الخليجي، والآن جاء دور “فطام السيادة” ليترجم على أرض الواقع. المستقبل لنا، لأننا نصنعه بإرادتنا الحرة، وكرامتنا العربية هي خط أحمر لا يقبل مساومة أو تبعية.