دخل العالم في ذلك اليوم حقبة جديدة من تاريخه، حيث أُسدل الستار رسمياً على مسرح العمليات العسكرية في القارة الأوروبية. ففي تمام الساعة الحادية عشرة ودقيقة واحدة قبل منتصف هذه الليلة، دخلت اتفاقية الاستسلام النهائي وغير المشروط لألمانيا النازية حيز التنفيذ؛ معلنةً نهاية الكابوس الذي جثم على صدر البشرية لست سنوات عِجاف.
وثيقة الحسم: صك الاستسلام الألماني
تُوج هذا النصر بتوقيع “صك الاستسلام الألماني” (German Instrument of Surrender)، وهي الوثيقة القانونية والعسكرية التي جردت الماكينة العسكرية الألمانية من مخالبها. ورغم أن التوقيع الأولي جرى في مدينة “ريمس” الفرنسية بالأمس، إلا أن الحلفاء أصروا على مراسم توقيع نهائية جرت ليلة الثامن من مايو في “كارلشورست” ببرلين؛ لضمان الخضوع الكامل أمام القيادة السوفيتية والقوى الغربية معاً.
البنود الجوهرية للاتفاقية
لم يكن الاستسلام مجرد وقفٍ لإطلاق النار، بل كان خضوعاً كاملاً تضمن بنوداً صارمة وقع عليها المشير “فيلهلم كايتل”:
أولاً: وقف العمليات فوراً: تلتزم القيادة العليا الألمانية بإصدار أوامر لجميع القوات البرية والبحرية والجوية، وكافة القوات التي تقع تحت القيادة الألمانية، بوقف العمليات النشطة في تمام الساعة 23:01 بتوقيت وسط أوروبا.
ثانياً: البقاء في المواقع: تلتزم جميع القوات الألمانية بالبقاء في مواقعها التي تشغلها لحظة دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، ويُحظر تماماً تدمير أو إتلاف أي معدات عسكرية، أو سفن، أو طائرات.
ثالثاً: الامتثال للأوامر: تلتزم القيادة الألمانية بتنفيذ كافة الأوامر الصادرة عن القائد الأعلى لقوات الحلفاء والقيادة العليا للجيش الأحمر السوفيتي.
رابعاً: المسؤولية الجنائية: في حال عدم التزام القوات الألمانية أو قياداتها بهذه البنود، يحق للحلفاء اتخاذ إجراءات عقابية وانتقامية فورية وفقاً للقانون الدولي.
انفجار الفرح في عواصم الحرية
ومع انتشار تفاصيل البنود وإعلان النصر، تحولت شوارع لندن وباريس ونيويورك إلى أنهار من البشر. في لندن، ألقى “وينستون تشرشل” خطاباً من شرفة وزارة الصحة أمام الحشود التي لم يغادرها الفرح منذ الصباح، مؤكداً: “هذا هو يومكم، وهذا هو انتصار الحرية”.
أما في باريس، فقد استعادت المدينة هويتها وهي تشاهد الأعلام ترفرف فوق “قوس النصر”، بينما بدأت أجراس الكنائس في جميع أنحاء القارة تدق سوياً؛ لا كإنذار من الغارات الجوية هذه المرة، بل احتفاءً بسلامٍ طال انتظاره.
ما بعد النصر
رغم أن صك الاستسلام قد أوقف نزيف الدماء في أوروبا، إلا أن القادة المجتمعين في برلين يدركون أن المهمة لم تنتهِ بعد؛ فاليابان لا تزال تقاتل في الشرق الأقصى، وأوروبا لا تزال ركاماً يحتاج إلى سواعد تبني ما دمرته المدافع.
8 مايو 1945، هو يوم العدالة؛ اليوم الذي وقعت فيه ألمانيا على إنهاء العمليات العسكرية، لتبدأ البشرية رحلة البحث عن ميثاق جديد يحميها من ويلات ح
رب عالمية ثالثة.