في ظل متابعته الجيدة لكافة الملفات والقضايا العربية والعالمية، وطرحه دون كلل أو ملل لكافة القضايا، لا يغفل نبيل أبوالياسين، الحقوقي والمحلل البارز، البحث في الشأني العربي والدولي عن التحولات الدلالية في خطاب القوى الكبرى. يأتي تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير، الذي امتدح فيه ذكاء خصمته التاريخية هيلاري كلينتون مقارنة بكامالا هاريس، ليكشف عن أكثر من مجرد مقارنة سطحية. فهو إعلان عن انتهاء حقبة سياسية وبدء أخرى، حيث تصبح التحالفات القديمة أداة في معارك الحاضر، وتتحول الثوابت الاستراتيجية للدول العربية، وفي مقدمتها مصر، إلى ركيزة أساسية لفهم المشهد الدولي المتقلب واتخاذ الموقف الحاسم الذي يحمي الأمن القومي العربي.
المدح السام: تفكيك الخصم من الداخل
أكد نبيل أبوالياسين أن تحليل هذا التصريح لا ينفصل عن سياقه الزمني الحالي. فترامب، الذي وصف كلينتون سابقاً بـ”هيلاري الفاسدة”، يعود اليوم ليمدح ذكاءها علناً، قائلاً: أعتقد أن معدل ذكاء هيلاري أعلى بكثير من معدل ذكاء كامالا. أظن أن هيلاري أعلى منها بخمسين أو ستين نقطة.
وضّح أبوالياسين أن هذه ليست مصالحة، بل هي ضربة تكتيكية مدروسة. الهدف المباشر هو تقييم كامالا هاريس، المرشحة الديمقراطية التي هُزمت أمام ترامب في 2024، وإظهارها بمظهر الأضعف في سلسلة القيادات الديمقراطية. ولكن الهدف الأعمق، كما لفت المحلل، هو إحداث شرخ داخلي في البيت الديمقراطي، وإعادة إحياء الانقسامات القديمة بين أجنحته، مما يشتت جهود خصومه ويضعهم في موقف دفاعي.
وحلّل أبوالياسين الاستراتيجية قائلاً: هذا المدح المسموم هو أسلوب ‘البلياردو السياسي’؛ حيث يضرب ترامب الكرة “كلينتون” لتصطدم بالهدف الحقيقي “هاريس” وتعود لتعكر صفو الملعب كله “الحزب الديمقراطي”. إنها محاولة لسرقة أوراق النقاش الأخلاقي وإظهار الخصم الحالي وكأنه تراجع عن ميراث سابقيه.
السياق الإقليمي: حيث تتجلى أولويات القوة
أوضح نبيل أبوالياسين أن هذه الألعاب الخطابية لا تحدث في فراغ، بل تتزامن مع تحركات جيوسياسية كبرى تمس صميم الأمن العربي، وخاصة في ملف السودان الشقيق. وأشار إلى أن إدارة ترامب، عبر وزير خارجيتها ماركو روبيو، تحركت بشكل مكثف مع الحلفاء الإقليميين، وتواصلت مع قادة مصر والسعودية، بهدف واضح هو وقف الأعمال القتالية في السودان قبل بداية العام الجديد 2026.
وفي هذا الصدد، أكد أبوالياسين على الحكمة البالغة للموقف المصري الثابت، والذي عبر عنه بيان رئاسي واضح يدعم رؤية ترامب لتحقيق السلام في السودان. وقال: “هنا تكمن البراغماتية الحقيقية التي تصون الأمن القومي. فمصر، بينما تعلن دعمها للجهود الأمريكية الساعية لهدنة إنسانية، فإنها تضع في الوقت ذاته خطوطاً حمراء لا تقبل المساس بها، مثل وحدة وسلامة أراضي السودان والحفاظ على مؤسساته الوطنية، مذكرة بحقها الكامل في اتخاذ كافة الإجراءات التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين”.
الأداة الجديدة: الذكاء الاصطناعي وساحة المعركة الرقمية
انتقل تحليل أبوالياسين إلى أدوات الصراع الحديثة، مُسلطاً الضوء على الفارق الجوهري في استخدام الحملتين الانتخابيتين للذكاء الاصطناعي. وكشف أن حملة ترامب تستخدم هذه التكنولوجيا بشكل هجومي ومبتكر، حتى في نشر صور مولدة بالذكاء الاصطناعي لدعم سردياته، كما حدث في حادثة ادعاءاته حول المهاجرين والحيوانات الأليفة. في المقابل، لاحظ أن حملة هاريس تتجنب إلى حد كبير هذه الأدوات، وتركز على الخطاب التقليدي والصور الشخصية الواقعية.
وضّح أبوالياسين أن هذا لا يعني تفوقاً أخلاقياً، بل يعكس اختلافاً في الاستراتيجية وفهماً للمشهد الإعلامي المعاصر. ترامب، الذي يُعتقد أنه استفاد من تحليل البيانات والمشاعر في فوزه عام 2016، يواصل تحويل المنصات الرقمية إلى ساحات للحرب الثقافية. هذه الفجوة التكنولوجية، كما حذر المحلل، قد تمثل نقطة ضعف استراتيجية لأي طرف يتخلف عن فهم قواعد اللعبة الجديدة.
الكرامة فوق الخطاب، والوحدة فوق التشتيت
وختم نبيل أبوالياسين بيانه الصحفي بكلمات نارية، مستحضراً موقفه الثابت من خطاب الكراهية والعنصرية الذي يلمع أحياناً في المشهد الغربي. فقال: “نحن كعرب، وفي قلبنا مصر القوية، نعي جيداً لعبة “فرق تَسد”. لقد وقفنا سابقاً، وسنقف دائماً، ضد أي خطاب عنصري يمس كرامة أي شعب، سواء كان صومالياً أو عربياً أو إنساناً أينما كان. اليوم، نرى وجهاً آخر من هذه الألعاب: ‘مدّح تَسُد.
وتابع أبوالياسين: إن تصريحات كهذه، سواء كانت ذماً صريحاً أو مدحاً مغرضاً، تذكرنا بأن مصيرنا لا يُقرر في خطابات الحملات الانتخابية الأمريكية. إنه يُصنع بثبات مواقفنا، ووضوح رؤيتنا، وتماسك صفنا. الدعم المصري الكامل لاستقرار السودان، والشراكة الاستراتيجية المتطورة مع واشنطن في مجالات الأمن والدفاع والسلام، هما نموذج للدبلوماسية الواعية التي تعرف كيف تفصل بين التكتيكات الانتخابية العابرة والمصالح الاستراتيجية الثابتة.
وختم بالقول: لقد انتهت حقبة كانت الكلمة فيها تُقال لتمحو أخرى. نحن الآن في حقبة الكلمة التي تُقال لتبني، والعمل الذي يُقام ليثبت. فليمدح ترامب من يشاء، وليذم من يشاء. أما نحن، فسنواصل بناء تحالفاتنا، والدفاع عن أمننا القومي، والسير على درب السيادة والكرامة التي لا تنازل عنها. لأن التاريخ لا يُسجل من قال ماذا عن من، بل يُسجل من صنع الأمان لمن.