في قلب تحولات عالمية كبرى، حيث تتهاوى أنظمة وتُشرق أخرى، تترقب الأنظار قمة البريكس السابعة عشرة، وهذا ليس مجرد تجمع اقتصادي عابر، بل هو إعلان ولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب، يضم أكثر من نصف سكان الكوكب ويُعيد رسم خريطة القوة، بينما يصر الغرب على هيمنة “التحالفات الصغيرة”، تأتي البريكس لتعزف سيمفونية التعاون المتكافئ والاحترام المتبادل، محطمة جدران الإقصاء، ومن بين أروقة هذا التجمع الناشئ، تبرز مصر، بعمقها التاريخي وموقعها الاستراتيجي، كشعلة أمل في بناء مستقبل أكثر عدلاً وازدهاراً، ورسالتي اليوم لكل عربي”استفيقوا”.
أفق عالمي جديد: قوة البريكس المتنامية
قمة البريكس 17 ليست مجرد لقاء، إنها لحظة تاريخية تُؤرخ لتوسيع نطاق القوى العالمية، ومع ضم أعضاء وشركاء جدد، بات التكتل يمثل أكثر من نصف سكان العالم وحوالي 40% من الناتج الاقتصادي العالمي، وهذا المشهد يؤكد تحولاً جذرياً نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، بعيداً عن هيمنة القطب الواحد، والخبراء يرون فيها حدثاً مفصلياً يعزز التماسك ويبرز التأثير المتصاعد للجنوب العالمي، وإن جاذبية البريكس المتزايدة تعكس رغبة الدول النامية في تحقيق تضامن أكبر وتنمية مستدامة وسلام دولي بعيداً عن الإقصاء الغربي.
مصر في قلب البريكس: شراكات بلا قيود
مشاركة مصر كعضو في قمة البريكس السابعة عشرة في ريو دي جانيرو تمثل نقلة نوعية، وهذه الخطوة تعزز الشراكة الاقتصادية الثنائية والتعاون المشترك مع تكتل يضم أكبر الاقتصادات العالمية، ويسيطر على 25% من الصادرات وأكثر من 30% من الاقتصاد العالمي، وإجمالي الناتج المحلي لأعضائه يقترب من 30 تريليون دولار، وينتج 35% من حبوب العالم، ومصر، بوجودها هذا، تفتح أبواباً جديدة لتعاون اقتصادي مستقر وإيجابي، وتُثبت جاذبيتها المتزايدة كشريك محوري في هذا التحالف الاقتصادي العالمي.
تحرير الاقتصاد المصري: وداعاً لهيمنة الدولار
مشاركة مصر في البريكس تحمل مكاسب اقتصادية كبرى، خاصة بعد سماحها للشركات الصينية بالتعامل باليوان ومبادلة الديون المصرية به، وكذلك إعلان روسيا سداد قرض المحطة النووية بالروبل، والفترة المقبلة ستشهد تعاملاً أوسع بالعملات المحلية مع الصين وروسيا والهند، وهما موردان رئيسيان للحبوب والزيوت والخامات، وهذا التوجه سيقلل بشكل كبير من الاعتماد على الدولار، ويسهم في رفع قيمة الجنيه المصري، مدعوماً بسعي دول البريكس لتشكيل تحالف اقتصادي أقوى من الاقتصاد الغربي والأمريكي، مما يعيد لمصر سيادتها المالية.
مصر بوابة أفريقيا: استثمارات واعدة ومنتج عالمي
الصين وحدها زادت تجارتها مع دول البريكس بنسبة 5.5% العام الماضي، فيما وافق بنك التنمية الجديد التابع للمجموعة على قروض بقيمة 35 مليار دولار لمئة مشروع، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس في مصر باتت تحتضن مناطق صناعية صينية وروسية، وتسعى الهند لإقامة مثلها، وهذا يعكس تزايد الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فمصر هي البوابة الرئيسية للقارة الإفريقية، وهذه الدول تتوق لتعزيز تجارتها عبرها، كما أن انضمام مصر يفتح آفاقاً واسعة أمام المنتج المصري لغزو أسواق جديدة لدول التجمع المتزايد.
العملات الوطنية: حصن ضد السياسات الحمائية
قمة البريكس في البرازيل ستركز على توسيع استخدام العملات الوطنية في التبادل التجاري، وهي فرصة ذهبية لمصر لزيادة تجارتها البينية بالعملات المحلية وتقليل اعتمادها على الدولار، وهذا التحول يأتي في ظل تصاعد عدم اليقين بشأن السياسات التجارية الأمريكية الحمائية في عهد ترامب، مما يدفع دول البريكس للبحث عن أدوات تحصنها اقتصادياً، والصين، أكبر مورد للمواد الخام عالمياً، ستسهم بزيادة وارداتها لمصر بالعملة المحلية، ما يدعم الصناعة المصرية ويعمق المنتج المحلي وصولاً للاعتماد الذاتي.
مصر: بوابة السياحة العالمية ورسالة أمن
الأمن والاستقرار الذي تتمتع به مصر، بالإضافة إلى عضويتها الرسمية في البريكس، يمثلان فرصة ذهبية لتعزيز السياحة، ومع اقتراب افتتاح المتحف المصري الكبير، وإنشاء مدينة رأس الحكمة السياحية العالمية، واحتضان مصر لمناطق أثرية فرعونية ورومانية وإسلامية، وشواطئ خلابة ومناخ متميز، فإن هناك فرصة عظيمة لزيادة الوفود السياحية من دول البريكس، وهذا الانضمام يفتح أسواقاً سياحية جديدة، ويعزز مكانة مصر كوجهة عالمية آمنة وجذابة للاستثمار والسياحة.
زعامة الأمة: درس من مصر
ولنكن صريحين، إن بعض الدول العربية التي ترى أن زعامة الشرق الأوسط تُمنح بالأموال التي تُغرس بها دول عظمى بعينها أو بالثروات، فهذه رؤية خاطئة وسياسة غير صحيحة، فالزعامة الحقيقية تكتسب وتُبنى بالمواقف والدور المحوري، وجمهورية مصر العربية اكتسبتها منذ تأسيسها من خلال دورها التاريخي ومكانتها الدولية، ولن تتخلى مصر عن هذا الدور مهما كانت التحديات، وكما أنها لم ولن تتخلى عن عروبتها ووطنيتها العربية الأصيلة، والرسالة هنا واضحة لكل من يهمه الأمر: إن العالم يتغير جذرياً، فهل نتواكب مع هذا التغيير ونغتنم الفرص، أم ننساق وراء سياسات أمريكية متغطرسة وواهية باتت تثبت فشلها كل يوم؟.
وختامًا: يا أمتنا العربية! بينما يُصر الغرب على نظام أحادي القطب يخدم مصالح “المليار الذهبي”، يصدح صوت بوتين من قمة البريكس: العالم يشهد تحولات جذرية والنظام الأحادي القطب بات من الماضي!، وهذه ليست مجرد كلمات، بل هي رياح التغيير التي تهب على عالمنا، ومصر، ببعدها التاريخي ومكانتها المحورية، تلتقط هذه الرياح لتُبحر نحو مستقبل تستعيد فيه الأمة كرامتها الاقتصادية والسياسية، ورسالتي لكم: استغلوا هذه الفرصة، تكاتفوا، وتخلصوا من تبعية الماضي، فالحرية لا تُوهب، بل تُصنع بأيدينا، وهذا التجمع هو شعلة الأمل التي يجب أن نُضيء بها طريقنا نحو عالمٍ أكثر عدلاً وازدهاراً، حيث لا مكان للاحتكار أو الظلم.
كلمة أخيرة: التحديات وفرص التجاوز
لا ننكر أن الطريق نحو نظام عالمي جديد لن يكون مفروشًا بالورود، فمصر – مثلها مثل دول البريكس – تواجه تحديات كبرى، من أبرزها الضغوط الغربية، واختلاف الأولويات بين أعضاء التكتل، وصعوبة التحول الكامل عن الدولار في ظل هيمنته على التجارة العالمية، ولكن التاريخ يعلمنا أن كل تحول عظيم بدأ بصعوبات، وأن الفرص الحقيقية تُصنع من رحم التحديات، والانضمام إلى البريكس ليس حلًا سحريًا، بل هو”أداة يجب توظيفها بحكمة”، عبر تعزيز الإصلاحات الداخلية، وبناء شراكات متوازنة، وتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية ببراغماتية، والأهم هو أن مصر لم تعد وحيدة في مواجهة النظام الأحادي، بل أصبحت جزءًا من كتلة تمثل مستقبلًا أكثر تنوعًا وعدالة، والرسالة هنا واضحة: التحديات موجودة، لكن الفرص أكبر لمن يعرف كيف يغتنمها.