عبدالرحيم عبدالباري
“من قاعات التدريب إلى واقع الخدمة.. كيف تبني المجالس الطبية جيلًا جديدًا من الكوادر؟”
في مشهد يعكس إصرار وزارة الصحة والسكان على بناء منظومة صحية متطورة تُعلي من قيمة المواطن، انطلقت ورشة عمل تدريبية نوعية استهدفت 60 موظفًا من العاملين بالمجالس الطبية المتخصصة. الورشة، التي جاءت ثمرة تعاون بين الجامعة الأمريكية بالقاهرة وإحدى الشركات العالمية الرائدة في قطاع الدواء، لم تكن مجرد تدريب تقليدي، بل محطة أساسية في رحلة بناء كوادر قادرة على تقديم خدمة صحية راقية. عبر ثلاثة أيام متواصلة، جرى المزج بين المحاضرات العلمية والأنشطة التطبيقية والتمثيل الواقعي للأدوار، لتطوير مهارات التواصل والقدرات الإنسانية، خاصة في التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة.

اكدالمتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن هذه الورشة ليست حدثًا منفصلًا، وإنما جزء من استراتيجية كبرى تستهدف الارتقاء بمنظومة الخدمة الصحية. فالتركيز على العنصر البشري، وربط التدريب بمؤشرات أداء واضحة، يُعد خطوة جوهرية لتحقيق رؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة. التدريب هنا لا يقتصر على إكساب العاملين مهارات جديدة، بل يتجاوز ذلك ليؤسس لثقافة مهنية ترتكز على رضا المواطن كمحور أساسي، مع ضمان توافق الإجراءات مع أحدث الممارسات العالمية.

من جانبه، شدد الدكتور محمد العقاد، مدير عام المجالس الطبية المتخصصة، على أن هذه الورشة تمثل بداية مسار شامل لإعادة هيكلة المجالس. وأوضح أن الخطة تتضمن تبسيط الإجراءات وتوضيح الاختصاصات بما يُسرع من عملية اتخاذ القرار. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تم تفعيل منظومة المناظرة الطبية عن بُعد (Video Conference)، لتتيح للمواطنين في جميع المحافظات الوصول إلى قرارات العلاج دون تكبد مشقة السفر. خطوة تعكس وعيًا بالبعد الإنساني للخدمة الصحية، وتؤكد أن الهدف النهائي هو تحقيق سلاسة وشفافية أكبر في تقديم الخدمة.
في هذا السياق، برز دور د.محمد أبو المجد، نائب مدير عام المجالس الطبية المتخصصة لشئون المجالس الفرعية والتدريب، الذي أشار إلى أن بناء كوادر بشرية مدربة يشكل استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد. وأكد أن وحدة التدريب المستمر ستصبح مركزًا دائمًا لصقل مهارات العاملين، وأن التدريب لن يقتصر على الدورات النظرية فقط، بل سيشمل محاكاة عملية وورش تطبيقية متواصلة، بما يخلق جيلًا من الكوادر المؤهلة قادرًا على مجابهة التحديات المستقبلية. هذه الرؤية تترجم مفهوم الاستثمار في الإنسان باعتباره الركيزة الأهم في تطوير المنظومة الصحية.

وفي موازاة ذلك، برزت الجهود المرتبطة بالحوكمة والجودة، حيث أوضحت د.ريهام الملا، نائب مدير عام المجالس الطبية المتخصصة للحوكمة والمراجعة والجودة، أن المجالس تبنت معايير صارمة لمتابعة الأداء وضمان الالتزام بالمعايير الدولية. فقد تم وضع سياسات وإجراءات تشغيل (SOPs) تتماشى مع متطلبات الاعتماد الدولي، مع اعتماد أدوات للرقابة الفعّالة وقياس الأداء بشكل دوري. هذه الخطوة لا تعزز فقط الشفافية والانضباط داخل المجالس، بل تمنح المواطن ثقة أكبر في الخدمات المقدمة، وتضمن أن قرار العلاج على نفقة الدولة يصل إلى مستحقيه في صورة أكثر كفاءة وعدالة.
ولعل النقلة النوعية الأبرز تتمثل في إنشاء وحدة اقتصاديات الصحة والمعلوماتية الصحية وتحليل البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. هذه الوحدة، كما أشار الخبراء، تمثل طفرة في أسلوب عمل المجالس، حيث تتيح تقييم بروتوكولات العلاج من حيث الفاعلية والتكلفة، بجانب التنبؤ بالاحتياجات المستقبلية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. بذلك يصبح اتخاذ القرار قائمًا على بيانات دقيقة وتحليل علمي متقدم، ما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد الصحية ويوفر فرصًا أكبر لتخصيص العلاج لمستحقيه دون إهدار.
لقد كانت هذه الورشة انعكاسًا لرؤية شاملة تضع الإنسان في قلب المنظومة الصحية، سواء كان مواطنًا يتلقى الخدمة أو موظفًا يقدمها. فهي لم تقتصر على نقل خبرات دولية، بل شكلت تجربة عملية لبناء بيئة عمل أكثر تفاعلًا واستجابة. هذا التوجه يعكس وعي وزارة الصحة والمجالس الطبية المتخصصة بأن التطوير لا يتحقق بالمنشآت والمعدات وحدها، بل بالكوادر المؤهلة والآليات المبتكرة. وهكذا، يصبح الاستثمار في العنصر البشري هو خط الدفاع الأول نحو مستقبل صحي أكثر إشراقًا.
اختُتمت الورشة برسالة واضحة: أن بناء جيل جديد من الكوادر الصحية هو المفتاح الحقيقي لتغيير وجه الخدمة الطبية في مصر. فالخطوات التي بدأتها المجالس الطبية المتخصصة لم تكن مجرد تدريب قصير المدى، بل لبنة أساسية في منظومة تحديث شاملة تتناغم مع أهداف التنمية المستدامة. ومع تزايد الاهتمام بالحوكمة والذكاء الاصطناعي والتدريب المستمر، تبدو مصر في طريقها لترسيخ تجربة صحية أكثر جودة وإنسانية، تليق بطموحاتها وتُلبي تطلعات مواطنيها.