عبدالرحيم عبدالباري
يشهد ملف مكافحة السرطان في مصر نقلة حقيقية تعكس وعياً علمياً ورؤية وطنية تستند إلى التخطيط والتطوير المستمر، وفي هذا السياق، تواصل فعاليات المؤتمر السنوي للمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة أعمالها في يومها الثاني، بحضور نخبة من القيادات الطبية والعلمية الوطنية. فقد شارك في فعاليات اليوم الثاني كلٌ من: الأستاذ الدكتور محمد عوض تاج الدين مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الصحية، الأستاذ الدكتور محمد لطيف الرئيس التنفيذي للمجلس الصحي المصري، الأستاذ الدكتور أسامة عبد الحي نقيب أطباء مصر، الأستاذ الدكتور حسين خالد وزير التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق، وقيادات جامعة القاهرة نواب رئيس جامعةالقاهرة الاستاذ الدكتورمحمدرفعت، والاستاذ الدكتور احمد رجب. وقد عكس الحضور الرفيع أهمية الدور الذي يلعبه المعهد في قيادة المشهد العلاجي والبحثي في مصر والمنطقة.

استهل الأستاذ الدكتور محمد عبد المعطي، عميد المعهد القومي للأورام، كلمته بالإشارة إلى أن المعهد يُعد أحد الكيانات الأكاديمية والبحثية الراسخة في مصر، حيث يمنح درجات الماجستير والدكتوراه والدبلومات المهنية المعتمدة في تخصصات الأورام المختلفة. وأكد أن دور المعهد لا يقتصر على التعليم فقط، بل يمتد إلى تقديم الخدمات العلاجية المتخصصة، وتأهيل كوادر قادرة على قيادة المستقبل الطبي في مواجهة السرطان.
أوضح عميد المعهد أن المنظومة العلاجية التي يقدمها المعهد تقوم على أربع مستشفيات: الشمالية، الجنوبية، ومستشفى سرطان الثدي في التجمع الخامس، بالإضافة إلى المستشفى الأحدث 500500 والمقرر افتتاحها خلال الفترة القريبة المقبلة، والتي ستُعد أكبر مؤسسة متكاملة لعلاج الأورام في الشرق الأوسط. وهو ما يعكس توسعاً مدروساً يهدف إلى زيادة القدرة الاستيعابية وتحسين جودة الخدمة الطبية.

واستعاد عميد المعهد تاريخ التأسيس، مشيراً إلى أن قرار إنشاء المعهد صدر عام 1959، ثم تم انفصاله إداريًا عن قصر العيني عام 1968، ليبدأ مرحلة الاستقلال العلمي والإداري التي أسست لمسار تطور مستمر. وأكد أن التاريخ لا يحمل مجرد تواريخ، بل يحمل جذور مؤسسة تعلمت أن تبني قوتها من العلم والعمل.
وأشار إلى أن المعهد لم يتوقف يوماً عن أداء رسالته، حتى في أصعب اللحظات. ففي عام 2019، ورغم الحادث الإرهابي الذي استهدف محيط المعهد، استمر العمل دون توقف. وكذلك خلال جائحة كورونا 2020، حيث ظل المعهد يقدم خدماته العلاجية للمرضى، في تأكيد على ثبات الرسالة وسمو الواجب الإنساني.

كما استعرض الدكتور عبد المعطي مسيرة تطوير البنية الطبية داخل المعهد، حيث تم إنشاء وحدة الألم عام 1989، ووحدة زرع النخاع عام 1988، وافتتاح أول صيدلية إكلينيكية في مصر عام 1998. وهو ما ساهم في تطوير منظومات الرعاية الدوائية وتخفيف معاناة المرضى وتحسين جودة الحياة لديهم.
وأوضح أن عام 2024 شهد تخرج أعداد كبيرة من حملة الماجستير والدكتوراه، إلى جانب تسجيل أعداد متزايدة من طلاب الدراسات العليا، بما يعكس قوة المؤسسة التعليمية. كما أعلن عن توثيق 8064 بحثاً علمياً على مواقع النشر الدولي، ما يعزز الحضور البحثي للمعهد عالمياً.

وأكد وجود شراكات بحثية دولية واسعة، من بينها زيارة وفد الوكالة الدولية لأبحاث السرطان في أكتوبر 2024، وتوقيع شراكة بحثية مع مركز فرايبورج الجامعي للأورام في نوفمبر 2024، وهو ما يرسخ تبادل الخبرات مع مدارس طبية عالمية.
كما أشار إلى أن العام الماضي شهد مشاركة 1500 طبيب في المؤتمر، ومن المتوقع أن يتجاوز العدد هذا العام، بما يعكس اتساع دائرة المشاركة والاهتمام العلمي بالقضايا المطروحة.
وخلال عام 2025 سيتم تفعيل اتفاقية التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي تهدف إلى دعم مصر في تطوير بروتوكولات العلاج الإشعاعي وتدريب الكوادر الطبية، بما يعزز إمكانات العلاج المتقدم.
كما شهد أكتوبر 2025 اجتماعاً علمياً مشتركاً مع المركز البافاري لأبحاث السرطان ببرلين، إضافة إلى تشكيل لجنة السجل السرطاني الوطني في نوفمبر 2025 بقرار من المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية. وأعلن عن تنظيم أكثر من 20 ورشة عمل متخصصة خلال المؤتمر الحالي لتدريب الأطباء ورفع الكفاءة المهنية.
يؤكد المعهد القومي للأورام من خلال عمله، وتاريخه، وشراكاته، أنه ليس مجرد مؤسسة صحية، بل حقيقة وطنية تحمل رسالة حياة. وبين العلم والإرادة تتشكل الخطوات التي تقود إلى مستقبل أكثر أملاً وإنسانية، حيث يصبح السرطان تحدياً يمكن التغلب عليه لا قدراً محتوماً.