كعادتها، أسرعت الولايات المتحدة في الخفاء، تنسج في الظلام مادام الأمر يتعلق بمصلحة ربيبتها إسرائيل. قدّمت واشنطن للعالم خطة ترامبية، أبدعت في خبث صياغتها، لتصبّ الماء في طاحونة الاحتلال على حساب دماء الشعب الفلسطيني الأعزل، وحشدت كل أدوات نفوذها في مجلس الأمن لإجازتها. وصوت الجميع، وكأن آذان العالم قد صُمّت عن تحذيراتنا المتكررة من عوار الخطة وخطورتها. حتى جاء الردّ الجزائري الحاسم، كالسيف القاطع، بتعديلات جوهرية قلبت الطاولة على المخطط الأمريكي، ليتوج هذا المسار اليوم ببيان تاريخي من الخبير الحقوقي نبيل أبوالياسين، يكشف فيه عن تفاصيل هذه المعركة الدبلوماسية التي أنقذت كرامة الأمة.
فلسطين تشيد بالدور الجزائري “الريادي والمحوري”
أشادت دولة فلسطين، عبر ممثلها الدائم لدى الأمم المتحدة السفير رياض منصور، بالدور “المحوري والريادي” الذي لعبته الجزائر في تعديل مسار القرار الأممي. وأوضح منصور أن الجهود الدبلوماسية الجزائرية المستمرة والدؤوبة كانت حجر الزاوية في صون الحقوق الفلسطينية المشروعة، مؤكدًا أن التعديلات التي قدمتها الجزائر جاءت لتعكس الصوت العربي والإسلامي الحقيقي، وتضمنت رؤية واضحة لتحقيق سلام عادل وشامل، يحفظ للشعب الفلسطيني كرامته ومستقبله.
أبوالياسين يوضح التعديلات الجزائرية الجوهرية: من الخداع إلى الحق
وأضاف نبيل أبوالياسين، الباحث البارز في الشأن العربي والدولي، أن التعديلات الجزائرية لم تكن ترفًا دبلوماسيًا، بل كانت ضرورة حتمية لإنقاذ القرار من الانزلاق نحو تأبيد الوضع القائم. ولفت أبوالياسين إلى أن الدبلوماسية الجزائرية عملت بحرفية عالية على أربعة محاور أساسية: أولها، حفظ وقف إطلاق النار وضمان استمراريته كشرط غير قابل للمساومة لإنقاذ المدنيين. ثانيها، تمكين حق تقرير المصير وتجسيد المشروع الوطني بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، وهو ما كان مغيبًا في النص الأصلي.
كما أوضح المحلل أبوالياسين أن التعديل الثالث والأهم تمحور حول تسريع وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق ورفض أي سياسة للتجويع الجماعي. ولفت إلى أن النص الجزائري أغلق باب المناورة أمام أي تأويل قد يسمح بتحويل غزة إلى سجن مفتوح. وأكد أن التعديل الرابع كان حاسمًا في رفض ورفض أي مخططات للتهجير القسري للفلسطينيين، وهو ما كان يشكل هاجسًا رئيسيًا للشعب الفلسطيني، محطمًا بذلك أحد أبرز أهداف الخطة الأمريكية-الإسرائيلية.
الدبلوماسية الجزائرية: صوت العدالة الذي هزّ قبة الأمم المتحدة
ولفت أبوالياسين إلى أن ما ميز المواقف الجزائرية تحت قبة الأمم المتحدة، خاصة منذ انضمامها كعضو غير دائم في مجلس الأمن، هو ثباتها الشجاع وحدتها الأخلاقية التي لا تعرف المساومة. وأشار إلى أن السفير الجزائري عمار بن جامع حوّل المنصة الدولية إلى منبر للضمير العالمي، حيث واجه بخطاباته القوية التي لا تهادن سياسة الفيتو الأمريكية التي تمارس لإطالة أمد الإفلات من العقاب، ووصف الجرائم بأسمائها الحقيقية دون مواربة، مذكرًا الجميع بأن التاريخ لن يرحم المتواطئين.
المواجهة الحتمية: الجزائر تقف في وجه العملاق
وأكد أبوالياسين أن الدور الجزائري تميز بكونه صوتًا عربيًا صادقًا واحدًا في غرفة تهيمن عليها الأجندات الغربية، مشيرًا إلى أن الجزائر رفضت رفضًا قاطعًا لغة الترهيب والتفريط في الثوابت. ولفت إلى الصدامات الحادة، لا سيما حين استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو ضد قرار وقف إطلاق النار الذي قدمته الجزائر في فبراير 2024، وهي اللحظة التي وجه فيها المندوب الجزائري رسالة قوية قال فيها: “على من فشل في الاستماع إلى نداءات العالم أن يراجع سياسته… صوتنا هو صوت العدالة والضمير”. مؤكدًا أن هذه المواقف هي التي مهدت الطريق لنجاحها الأخير في تعديل خطة ترامب.
وختم نبيل أبوالياسين بيانه الصحفي بالقول: لم تكن معركة تعديل النص مجرد مناوشة دبلوماسية عابرة، بل كانت معركة وجود بين إرادة الحياة التي تمثلها الجزائر ومن يقف خلفها من أمهات الشعوب، وبين آلة طحن الإنسان والإنسانية. لقد أثبتت الجزائر مرة أخرى أنها حصن الأمة المنيع، وأن دبلوماسيتها هي ابنة البطولات الثورية التي لا تعرف الاستسلام. لقد تركت الجزائر بصمتها على جدارية التاريخ في الأمم المتحدة، وعلّمت العالم أن الحق، وإن تأخر، فلا بد أن تظهر جيوشه من حيث لا يحتسب الطغيان. إنها رسالة إلى كل الظالمين: قد تُغرقون السفن ليلاً، لكن شمس الحق لا بد أن تشرق من جديد، وغدًا سيكون أجمل بفضل أصحاب الإرادة مثل الجزائر.