عبدالرحيم عبدالباري
في لحظة فارقة من تاريخ الخدمات الصحية بمحافظة سوهاج، تتحول الطموحات إلى واقع ملموس، وتخرج الأحلام من دائرة الوعود إلى حيز التنفيذ. فبين جدران مستشفى ساقلتة المركزي، التي أعيد بناؤها وتطويرها وفق أحدث المعايير العالمية، تُكتب الآن سطور جديدة من الأمل لمئات الآلاف من المواطنين. تكليفات مباشرة، متابعة دقيقة، وتجهيزات نهائية تُعلن اقتراب الافتتاح الرسمي، في رسالة واضحة بأن الدولة ماضية بقوة في معركة بناء الإنسان، وأن الصحة لم تعد ترفًا بل حقًا أصيلًا يُصان بالإمكانات والقرار.
بتوجيهات حاسمة من السيد الدكتور عمرو دويدار وكيل وزارة الصحة بسوهاج، تحركت فرق الإدارة العامة للطب العلاجي بمديرية الصحة لمتابعة أعمال التجهيزات النهائية لمستشفى ساقلتة المركزي، في واحدة من أكثر مراحل المشروع حساسية وأهمية. جاء ذلك تحت إشراف الدكتور عمر عبدالجابر مدير عام الطب العلاجي، والدكتور عماد عدلي مساعد مدير الطب العلاجي، وبمتابعة المكتب الفني بإشراف الدكتور إيهاب يوسف، بما يعكس تناغمًا إداريًا وفنيًا دقيقًا يهدف إلى خروج المستشفى إلى النور بأعلى درجات الجاهزية. هذه المتابعة المكثفة لم تكن إجراءً روتينيًا، بل إعلانًا فعليًا عن قرب انضمام صرح طبي جديد لمنظومة مديرية الصحة بسوهاج.
وأوضح الدكتور عمرو دويدار أن مستشفى ساقلتة المركزي لم تعد مجرد مبنى خَدَمي تقليدي، بل جرى تصميمها وفق أحدث المعايير الخاصة بتخطيط وتصميم المستشفيات، لتواكب التطورات العالمية في مجال الرعاية الصحية. كما جرى تجهيزها بأحدث الأجهزة والتجهيزات الطبية، بما يلبّي تطلعات المواطنين في الحصول على خدمات صحية آمنة ومتميزة. وأكد أن ما تشهده المستشفى حاليًا يُعد من أكبر عمليات التطوير منذ إنشائها، حيث أعاد المشروع صياغة هوية المستشفى بالكامل، لتتحول من منشأة محدودة الإمكانات إلى صرح طبي متكامل قادر على استيعاب مختلف التخصصات.
وشملت أعمال التطوير تجديد المبنى القديم بالكامل، إلى جانب إنشاء مبنى جديد مكون من دور أرضي وأربعة أدوار علوية، صُممت جميعها وفق أعلى معايير الجودة والسلامة. الدور الأرضي جاء ليكون بوابة الخدمة السريعة، حيث يضم أقسام الطوارئ والأشعة و(13) عيادة خارجية تغطي مختلف التخصصات الطبية، بما يضمن سرعة التشخيص ودقة التحويل بين الأقسام. هذا التصميم يهدف إلى تقليل زمن الانتظار وتحقيق الانسيابية المطلوبة في استقبال الحالات، خصوصًا في الطوارئ، التي تمثل خط الدفاع الأول عن حياة المرضى.
أما الدور الأول، فقد جُهّز ليكون قلب الخدمات العلاجية المتقدمة، حيث يضم أقسام العلاج الطبيعي، والغسيل الكلوي، والمعامل، ووحدة المناظير، بالإضافة إلى (24) سرير إقامة داخلية. هذا الدمج بين الخدمات التشخيصية والعلاجية في مستوى واحد يحقق أعلى درجات التكامل الطبي، ويُسهِّل حركة المرضى بين الأقسام دون عناء، كما يُعزز من سرعة اتخاذ القرار الطبي، خاصة في الحالات المزمنة التي تتطلب متابعة دقيقة وتدخلات متكررة.
ويحمل الدور الثاني طبيعة خاصة من حيث الخطورة والأهمية، إذ يضم (4) غرف عمليات حديثة مجهزة بأعلى التقنيات، وقسم العناية المركزة بطاقة (18) سرير عناية، إلى جانب الإدارة ونظم المعلومات، و(21) سرير إقامة داخلية. هذا المستوى يُمثل العمود الفقري للعمل الجراحي بالمستشفى، ويعكس نقلة نوعية في قدرة ساقلتة على استيعاب العمليات الكبرى والحالات الحرجة، بدلًا من تحويلها إلى مستشفيات بعيدة، وهو ما كان يمثل عبئًا نفسيًا وماديًا كبيرًا على المرضى وذويهم.
وفي الدور الثالث، تتجلى الرؤية الإنسانية بوضوح، حيث يضم أقسام النساء والتوليد والحضانات، ووحدات متخصصة لخدمات الأمهات والأطفال، ليكتمل بذلك البناء الطبي المتكامل. وتُقام المستشفى على مساحة 7473 مترًا مربعًا بطاقة استيعابية تصل إلى 135 سريرًا، ما يجعلها واحدة من أكبر وأهم المستشفيات التي دخلت الخدمة بمحافظة سوهاج خلال السنوات الأخيرة. هذه السعة الكبيرة تعني قدرة حقيقية على تخفيف الضغط عن المستشفيات المجاورة، وتحقيق عدالة توزيع الخدمة الصحية في مراكز المحافظة.
إن ما يحدث في مستشفى ساقلتة المركزي ليس مجرد تطوير مبانٍ أو إضافة أجهزة، بل هو جزء أصيل من رؤية الدولة لبناء منظومة صحية حديثة تليق بالمواطن المصري، في إطار تنفيذ توجيهات القيادة السياسية وحرص وزارة الصحة والسكان على الارتقاء بالخدمة الصحية. ومع اقتراب الافتتاح الرسمي، يترقب أهالي ساقلتة والمراكز المجاورة لحظة تاريخية ستغير خريطة الرعاية الصحية في الجنوب، وتُعلن أن سوهاج باتت على موعد مع مرحلة جديدة عنوانها: مستشفى حديث، خدمة كريمة، وإنسان أولًا.