ليست الكتابة هنا ترفًا
لغويًا ولا سبًّا مجانيًا، بل محاولة لفضح مشهدٍ صار مألوفًا حدّ الاعتياد، حيث تُدار العقول كما تُدار القطعان، ويُكافأ الصمت، ويُعاقَب السؤال، ويُرفع الجهل إلى منصة الحكمة، بينما تُسحب المعرفة إلى الهامش. في هذا الزمان، لم يعد الترويض يحتاج إلى سوطٍ ولا إلى قيودٍ من حديد، فقد اكتشف صُنّاع الوهم أن أخطر القيود هي تلك التي تُزرع في الرأس، وأن أنجح الأساليب هو تحويل الإنسان إلى كائنٍ مُستأنس، يكتفي بما يُلقى إليه من فتات الأفكار، ويهزّ رأسه موافقًا قبل أن يسمع.
فن ترويض البهايم لا يُدرّس في المعاهد، لكنه يُمارس يوميًا على الشاشات، في العناوين الصاخبة، وفي خطابٍ يُبَسِّط كل شيء حتى التفاهة، ويُعقِّد كل سؤال حتى اليأس. يُعاد تشكيل الوعي ببطءٍ شديد؛ حتى لا يشعر الضحية بما يحدث، فيتعلّم أن الغضب عيب، وأن المطالبة حقٌّ زائد، وأن التفكير مؤامرة. يُقنعونه أن النجاة فردية، وأن الأخلاق عبء، وأن القيم رفاهية لا تصلح لزمن السرعة، فيصفّق حين يُهان، ويبتسم حين يُسلب، ويهاجم من يحاول إيقاظه.
في هذا الفن، تُستبدل القدوة بالمهرّج، والعالِم بالضجيج، والحقائق بالشائعات، ويُمنح الصوت الأعلى لا الأصدق. تُختصر الأوطان في شعارات، وتُختزل القضايا في لقطات، ويُقاس الانتماء بعدد الإعجابات لا بعمق الموقف. يصبح السؤال تهمة، والاختلاف خيانة، والنقد وقاحة. وهكذا تُصنع أجيال تُجادل دفاعًا عن قيودها، وتُخاصم من يحاول كسرها، وتُهاجم المرآة لأنها تُظهر الحقيقة.
لكن الأخطر في هذا المشهد أن الترويض لا ينجح إلا بموافقةٍ ضمنية من المُروَّض. حين يختار الإنسان الراحة بدل الكرامة، والتصفيق بدل الفهم، والاصطفاف الأعمى بدل البصيرة، فإنه يوقّع بنفسه عقد التنازل. لا أحد يستطيع أن يحوّل أمةً إلى قطيع ما لم تتخلَّ عن أسئلتها، وما لم تُسَلِّم عقلها طواعيةً لمن يقدّم لها الوهم في علبةٍ لامعة.
وفي نهاية هذا المشهد الكئيب، لا يبقى السؤال: من روّض؟ بل لماذا استُبيح العقل، وكيف رضينا أن نُختصر إلى ردود أفعال، وأن نُدار بالخوف تارة وبالطمع تارة أخرى؟ إن أخطر ما أصاب الأمة ليس الفقر ولا الهزائم ولا المؤامرات، بل اعتياد الانكسار حتى صار نمط حياة، والتعايش مع الإهانة حتى بدت طبيعية، والتصالح مع الزيف حتى أصبح هو الحقيقة الوحيدة المتاحة. حين يفقد الإنسان حساسيته تجاه القبح، يصبح القبح هو القاعدة، وحين يتبلد الوعي، لا تعود القيود مرئية.
إن فن ترويض البهايم لا ينجح فقط لأن هناك من يمارسه، بل لأنه وجد أرضًا خصبة من الصمت، وعقولًا أنهكها الإحباط، وقلوبًا تعبت من الصراع فاختارت السلام الزائف. هكذا تُقتل الأسئلة في مهدها، ويُسخر من الأحلام قبل أن تكبر، ويُحاصر كل صوتٍ مختلف حتى يختنق أو يتحول إلى صدى باهت. تصبح الأمة كجسدٍ بلا روح، يتحرك لكنه لا يشعر، يعيش لكنه لا يحيا.
غير أن التاريخ لم يكتب يومًا عن أمةٍ ماتت لأنها كانت ضعيفة، بل لأنها قبلت الضعف واعتبرته قدرًا. وما بين السقوط والنجاة شعرة اسمها الوعي؛ إن انقطعت سقطنا إلى القاع، وإن تمسكنا بها صعدنا ولو بأيدٍ مرتجفة. الوعي ليس ترفًا، ولا شعارًا، بل فعل مقاومة يومي: أن تفهم قبل أن تصدق، وأن تسأل قبل أن تتبع، وأن ترفض أن تكون رقمًا في قطيع، مهما كان الثمن.
إن الخلاص لا يبدأ بخطابٍ حماسي، بل باستعادة الإنسان لإنسانيته، وبعودة العقل إلى مكانه الطبيعي، وبإدراكٍ قاسٍ أن الصمت شراكة، وأن اللامبالاة جريمة باردة، وأن الترويض لا يُهزم إلا حين ينهض الوعي الجمعي، لا لينبح ولا ليهتف، بل ليفكر. فإما أمة تقرأ واقعها بعيون مفتوحة وتدفع ثمن كرامتها، أو قطيع يُقاد بالعصا تارة وبالجزرة تارة، حتى ينسى أنه كان يومًا أمة.